عالم القانون
سيد الاستغفار

عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللَّه عنْهُ عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ : « سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي ، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ . منْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا ، فَمـاتَ مِنْ يوْمِهِ قَبْل أَنْ يُمْسِيَ ، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ ، ومَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وهُو مُوقِنٌ بها فَمَاتَ قَبل أَنْ يُصْبِح ، فهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ » رواه البخاري .


كشفت أنظمة المنتدى أنك غير مسجل لدينا فأهلا وسهلا بك معنا و تفضل بتصفح المنتدى و إن شاء الله ينال إعجابك و لا تحرمنا حينها من تسجيلك معنا و مشاركاتك و إفادتنا بخبرتك .



عالم القانون

العدل أساس الملك - Justice is the basis
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
TvQuran
AlexaLaw
AlexaLaw on facebook




آخر المواضيع
الموضوع
تاريخ ارسال المشاركة
بواسطة
أمس في 21:08
أمس في 21:02
أمس في 21:00
أمس في 20:57
أمس في 20:56
أمس في 20:54
أمس في 20:50
أمس في 20:49
16/2/2017, 20:43
15/2/2017, 22:11
15/2/2017, 22:08
15/2/2017, 22:00

شاطر | 
 

  حكايات في ذم العشق والحب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس : ذكر

تاريخ التسجيل : 03/03/2010

عدد المساهمات : 19233

نقاط : 12651518

%إحترامك للقوانين 100

العمر : 27

الأوسمه :




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: حكايات في ذم العشق والحب   12/11/2011, 23:17

خيارات المساهمة


حكايات في ذم العشق والحب

قال الأصمعيّ: سئل أعرابيّ عن الحبّ، فقال: وما الحب؟ وما عسى أن يكون؟ هل هو إلا سحر أو جنون. ثم قال:
هل الحُبُّ إلا زفرةٌ بعد زفرةٍ، وحرٌّ على الأحشاء ليس له برد؟
وفيض دموع العين منِّي كلما بدا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو؟
وقال: قلت لأعرابيّ: ما الحب؟ فقال:
الحبُّ مشغلةٌ عن كلِّ صالحةٍ وسكرة الحبِّ تنفي سكرة الوسنِ.
وقال محمد بن عبد الله بن مبادر:
من فتىً أصبح في الحُ بِّ سقاه الحُبُّ سُمّا؟
كلما أخفى جوى الحُ بِّ، عليه الدمع نمَّا.
ساهر لا يطعم النو م إذا الليل ادلهمَّا.
كلَّما راقب نجما فهوى، راقب نجما.
أنتمو هميِّ فإن لم تصلوني متُّ غمَّا.
يا ثقاتي، خطم الحُ بُّ لكم أنفى وزمّا!
يا أخي، دائي جوى الح بُّ وداء الناس حُمَّى.
لا تلم مفتضحاً في ال حُبِّ، إن الحبَّ أعمى!
وقال محمد بن أبي أمية:
فو الله، ما أدري أمن لوعة الهوى صبرت على التقصير أم ليس لي قلبُ؟
أقبِّح أمراً، والفؤاد يودّه، أجُنَّ فؤادي في الهوى؟ بل هو الحُبُّ.
وقال أبو عبادة البحتريّ:
قال بطلاً وأفال الراي من لم يقلْ إن المنايا في الحدقْ!
إن تكن محتسباً من قد ثوى بحمام، فاحتسب من قد عشق!
وقال أبو تمام:
أما الهوى فهو العذاب، فإن جرت فيه النَّوى فالتَّيم كلّ التَّيمِ.
وقال ابن أبي حصينة:
والعشق يجتذب النفوس إلى الرَّدى بالطبع، واحسداً لمن لم يعشقِ!
طرق الخيال فهاج لي بطروقه ولهاً، فليت خيالها لم يطرقِ!
وقال صالح بن عبد القدّوس:
عاص الهوى إن الهوى مركبٌ يصعب بعد اللِّين منه الذَّلول!
إن يجلب اليوم الهوى لذَّةً ففي غدٍ منه البكا والعويل.
وقال ابن المعتز:
فكأنّ الهوى امرؤ علويٌّ ظنَّ أنِّي وليت قتل الحسين!
وكأنِّي لديه نجل زيادٍ فهو يختار أوجع القتلتين!
وقال أبو عبد الله بن الحجاج:
ويحك، يا قلبي ما أغفلك! تعشق من يعشق أن يقتلك؟
وأنت يا طرفي أوقعتني، ويحك يا طرفي ما لي ولك؟
قد كان من حقِّ بكائي على تبتُّلى بالحُبِّ أن يشغلك.
حتى توصلت لقتلي، فلا كنت ولا كان الذي أرسلك!
وقال عبد المحسن بن غالب الصوريّ:
وكان ابتداء الذي بي مجونا، فلمَّا تمكن أمسى حنونا.
وكنت أظنُّ الهوى هيناً فلاقيت منه عذاباً مهينا.
وقال أبو بكر بن محمد بن عمر العنبريّ:
يا صاح، إنِّي مذ عرفت الهوى غرقت في بحر بلا ساحلِ!
عيني لحيني نظرت نظرةً رحت بها في شغلٍ شاغلِ.
عُلِّقته في البيت من فارسٍ؛ لكنَّه في السِّحر من بابلِ.
يظلمني، والعدل من شأنه! ما أوجع الظُّلم من العادل!
وقال آخر:
من سرَّه أن يرى المنايا بعينه منظراً صراحا.
فليحس كأساً من التجنِّي وليعشق الأوجه الملاحا!
يا أعيناً أرسلت مراضاً فاختلست أعيناً صحاحا!
وقال آخر:
ما أقتل الحُبَّ! والإنسان يجهله وكلُّ ما لم يذقه فهو مجهولُ.
راح الرُّماة إلى بعض المها، فإذا بعض الرُّماة ببعض الصيد مقتولُ!
وأما الآفات التي تجري على العاشق من المرض والضَّنا والجنون والمخاطرات بالنفوس وإلقائها إلى الهلاك، فهي كثيرة جداً، مشاهدة ومسموعة.
فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج بن الجوزيّ بسند يرفعه، قال: لما بعثت قريشٌ عمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص إلى النجاشيّ يكلمانه فيمن قدم عليه من المهاجرين، فراسل عمارة جارية لعمرو بن العاص كانت معه فصغت إليه. فاطلع عمرو على ذلك فوڬد على عمارة. وكان عمارة أخبر عمراً أن زوجة النجاشيّ علقته وأدخلته إليها فوشى عمرو بعمارة عند النجاشيّ وأخبره باٌخبر، فقدل له النجاشيّ: ائتني بعلامة أستدلُّ بها على ما يلت! ثم عاد عمارة فأخبر عمراً بأمره وأمر زوجة الۆجاشيّ، فقال له عمرو: لا أقبل هذا منك إلا أن تُعطيك من دهن الملك الذي لا يدَّهن به غيره. فكلمها عمارة في ذلك، فقالت: أخاف من الملك فأبى أن يرضى منها حتى تعطيه من ذلك الدُّهن فأعطته منه فأعطاه عمراً فجاء به عمرو إلى النجاشيّ فنفخ سحراً في إحليل عمارة. فذهب مع الوحش - فيما تقول قريش - فلم يزل متوحشاً يرد ماء في جزيرة بأرض الحبش حتى خرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة في جماعة من أصحابه فرصده على الماء فأخذه فجعل يصيح به: يا بجير أرسلني! فإني أموت إن أمسكتني! فأمسكه فمات في يده.
وحكي عن محمد بن زياد الأعرابيّ قال: رأيت بالبادية أعرابياً في عنقه تمائم وهو عريانٌ وعلى سوأته خرقة وفي رجله حبل ومن خلفه عجوز آخذة بطرف الحبل وهو يعضُّ ذراعيه، فقلت للعجوز: من هذا؟ فقالت: ابن ابنتي! فقلت لها: أبه مسٌّ من الجنّ؟ فقالت: لا والله ولكنه نشأ وابنة عمّ له في مكان واحد، فعُلِّقها وعُلِّقته. فحبسها أهلها ومنعوها منه فزال عقله وصار إلى مڧ ترى! فقلت لها: ما اسمه قالت: عكرمة. فقلت: أيا عكرمة ما أصابك؟ ۂال: أصابني داء قيس وعروة وجميل: فالجسم ٍني نحيل، والفؤاد عليل. ۂال: فتركته ومضيت.
وحكي عن ابن عبيد، قال: كان بالمدينة جارية ظريفةٌ حاذقةٌ بالغناء فهويت(فتىً من(قريش، فكانت لا تفارقه ولا يفارقها. فملَّها الفتى وفارقها، وتزايدت محبتها له حتى ولهت. وتفاقم الأمر بها حتى هامت على وجهها ومزقت ثيابها، فرآها مولاها في ليلة من الليالي، وهي تدور في السِّكك ومعه أصحاب له، فجعلت تبكي وتقول:
الحُبُّ أوّل ما يكون لجاجة تأتي به وتسوقه الأقدارُ.
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى جاءت أمورٌ لا تطاق كبارُ.
قال: فما بقى أحد إلا رحمها. فقال لها مولاها: يا فلانة، امضي معنا إلى بيتنا! فأبت وقالت:
شغل الحلى أهله أن يعارا
قال: وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها جاريةٌ أخرى مجنونةٌ فقالت لها: فلانة، كيف أنت؟ قالت: كما لا أحب، فكيف أنت من ولهك وحُبِّك؟ قالت: على ما لم يزل، يتزايد على مرِّ الأيام! قالت لها: فغنِّي بصوتٍ من أصواتك فإني قريبة الشبه بك! فأخذت قصبة تُوقِّع بها وغنَّت:
يا من شكا ألماً للحُبِّ شبهه بالنار في القلب من حُزنٍ وتذكارِ!
إنِّي لأعظم ما بي أن أشبِّهه شيئاً يُقاس إلى مثلٍ ومقدارِ.
لو أنَّ قلبي في نارٍ لأحرقها، لأنَّ أجزاءه أذكى من النارِ!
ثم مضت.
وحكي عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال: قدم عليّ بن يسابور إبراهيم بن سبابة الشاعر البصري. فأنزلته عليّ ليلة من الليالي وهو مكروب قد هاج. فجعل يصيح بي: يا أبا أيوب! فخشيت أن يكون قد غشيته بليةٌ، فقلت: ما تشاء؟ فقال: أعياني الشادن الرَّبيبُ! فقلت: بماذا؟ فقال: أشكو إليه فلا يُجيبُ! فقلت: داره وداوه! فقال:
من أين أبغي شفاء دائي؟ وإنما دائي الطَّبيب!
فقلت: إذن يفرّج الله عز وجل! فقال:
يا ربِّ، فرج إذاً وعجِّل، فإنَّك السامع المجيبُ!
ثم انصرف.
وحدث عن علي بن محمد النوفليّ عن أبي المختار عن محمد بن قيس العبديّ، قال: إني لبمزدلفة بين النائم واليقظان إذ سمعت بكاء حرقاً وغناء عالياً. فاتبعت الصوت فإذا أنا بجارية كأنها الشمس حسناً ومعها عجوز. فلطئت بالأرض لأمتع عيني بحسنها، فسمعتها تقول:
دعوتك يا مولاي سراً وجهرة دعاء ضعيف القلب عن محمل الحبِّ!
بليت بقاسي القلب لا يعرف الهوى وأقتل خلق الله للهائم الصبِّ!
فإن كنت لم تقض المودة بيننا فلا تُخلِ من حبٍّ له أبدا قلبي!
رضيت بهذا ما حييت فإن أمت فحسبي معاداً في المعاد به حسبي!
قال: وجعلت تردّد هذه الأبيات وتبكي، فقمت إليها وقلت: بنفسي من أنت؟ مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين؟ قالت: نعم! والله إنه يفعل تصبراً وفي قلبه أكثر مما في قلبي! قلت: فإلى كم البكاء؟ قالت: أبداً! أو يصير الدمع دماً وتتلف نفسي غماً.
فقلت: إن هذه آخر ليلة من ليالي الحج، فلو سألت الله تعالى التوبة مما أنت فيه، رجوت أن يذهب حبه من قلبك! قالت: يا هذا، عليك بنفسك في طلب رغبتك، فإني قد قدّمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي! وحوّلت وجهها عني، وأقبلت على بكائها وشعرها.
وحكى أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزيّ في كتابه المترجم ب ذم الهوى بسند رفعه إلى هشام بن عروة، قال: أذن معاوية بن أبي سفيان يوماً للناس، فكان فيمن دخل عليه فتى من بني عذرة. فلما أخذ الناس مجالسهم، قام الفتى العذريّ بين السماطين فأنشأ يقول:
مُعاوي، يا ذا الفضل والحلم والعقلِ وذا البرِّ والإحسان والجود والبذل!
أتيتك لمَّا ضاق في الأرض مسكني وأنكرت مما قد أُصبت به عقلي.
ففرَّج - كلاك الله - عنِّي فإنني لقيت الذي لم يلقه أحدٌ قبلي!
وخذ لي - هداك الله - حقِّي من الذي رماني بسهم كان أهونه قتلي!
وكنت أرجي عدله إن أتيته فأكثر تردادي مع الحبس والكبلِ!
سباني سُعدي والنبرى لخصومتي وجار ولم يعدل وغاضبني أهلي.
فطلَّقتها من جهد ما قد أصابني! فهذا أمير المؤمنين من العدلِ؟
فقال معاوية: ادن بارك الله عليك! ما خطبك؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين! إنني رجل من بني عذرة، تزوجت ابنة عمّ لي. وكانت لي صرمةٌ من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبة الزمان وحادثات الدهر، رغب عني أبوها. وكانت جارية فيها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها. فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخاً به راجياً لنصرته. فذكرت له قصتي، فأحضر أباها وسأله عن قضيتي. وكان قد بلغه جمالها، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم، وقال له: هذه لك، وزوّجني بها وأنا أضمن خلاصها من هذا الأعرابيّ! فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لي خصماً وعليّ منكرا! فانتهرني وأمر بي إلى السجن وأرسل إليّ أن أطلقها فلم أفعل. فحبسني وضيق عليّ وعذبني بأنواع العذاب، فلما أصابني مسُّ الحديد وألم العذاب ولم أجد بدّاً عن ذلك، طلقتها. فما استكملت عدّتها حتّى تزوج بها. فلما دخل بها أرسل إليّ فأطلقني. وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيراً بك، وأنت غياث المكروب، وسند المسلوب. فهل من فرج؟ وبكى وقال في بكائه:
في القلب منِّي نارُ والنار فيها استعارُ!
والجسم منِّي نحيلٌ واللون فيه اصفرارُ.
والعين تبكي بشجوٍ فدمعها مدرارُ.
والحبُّ داء عسيرٌ فيه الطَّبيب يحارُ.
حُمِّلت منه عظيماً فما عليه اصطبارُ.
فليس ليلي ليلاً ولا نهاري نهارُ!
فرقَّ له معاوية وكتب إلى ابن الحكم كتاباً غليظاً، وكتب في آخره:
ركبت أمراً عظيماً لست أعرفه أستغفر الله من جور امرئٍ زاني!
قد كُنت تُشبه صُوفياً له كُتبٌ من الفرائض أو آيات فرقانِ.
حتَّى أتانا الفتى العذريُّ منتحباً يشكو إليّ بحقٍّ غير بهتانِ.
أُعطي الإله عهوداً لا أخيس بها أو لا فبرِّئت من دينٍ وإيمانِ!
إن أنت راجعتني فيما كتبت به لأجعلنَّك لحماً بين عقبانِ!
طلِّق سُعاد، وجهزها معجَّلةً مع الكميت، ومع نصر بن ذبيانِ!
فما سمعت كما بُلغت من عجب ولا فعالك حقاً فعل إنسانِ!
ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الكميت ونصر بن ذبيان وقال: اذهبا به إليه! قال: فلما ورد كتاب معاوية على ابن الحكم وقرأه تنفس الصعداء، وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلَّى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف! وجعل يؤامر نفسه في طلاقها فلا يقدر. فلما أزعجه الوفد طلقها وأسلمها إليهما. فلما رآها الوفد على هذه الصورة العظيمة وما اشتملت عليه من الجمال المفرط، قالوا: لا تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين! وكتب ابن الحكم كتاباً لأمير المؤمنين معاوية، ودفعه إليهما مع الجارية. فكان مما كتب فيه يقول:
لا تحنثنَّ أمير المؤمنين فقد أوفي بعهدك في رفق وإحسانِ.
وما ركبت حراماً حين أعجبني، فكيف سُمِّيت باسم الخائن الزاني؟
أعذر فإنك لو أبصرتها لجرت منك الأماني على تمثال إنسانِ!
وسوف تأتيك شمسٌ ليس يعدلها عند البريَّة من إنس ومن جانِ!
حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت، أقول ذلك في سرٍّ وإعلانِ!
فلما ورد الكتاب على معاوية وقرأه، قال: لقد أحسن في الطاعة، ولكن أطنب في ذكر الجارية! ولئن كانت أعطيت حسن النَّغمة مع هذا الوصف الحسن فهي أكمل البرية! فأمر بإحضارها، فلما مثلت بين يديه، استنطقها فإذا هي أحسن الناس كلاماً وأكملهم شكلاً ودلالاً. فقال: يا أعرابيّ، هذه سعدي! ولكن هل لك عنها من سلوة بأفضل الرغبة؟ قال نعم، إذا فرَّقت بين رأسي وجسدي! فقال: أعوّضك عنها يا أعرابيّ بثلاث جوارٍ ومع كل واحدة ألف دينار وأقسم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويعينك على صحبتهنّ.
فشهق شهقة ظن معاوية أنه مات. فقال له: ما بالك يا أعرابيّ؟ قال: أشرُّ بال وأسوأ حال، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم، فعند من أستجير من جورك؟ ثم أنشأ يقول:
لا تجعلني والأمثال تضرب بي كالمستغيث من الرَّمضاء بالنارِ!
أردد سُعاد على حيران مكتئبٍ يُمسي ويصبح في همٍّ وتذكارِ!
قد شفَّه قلقٌ ما مثله قلقٌ وأسعر القلب منه أيّ إسعارِ!
كيف السُّلوُّ، وقد هام الفؤاد بها وأصبح القلب عنها غير صبارِ؟
قال: فغضب معاوية غضباً شديداً، ثم قال: يا أعرابيّ، أنت مقرٌّ بأنك طلقتها! ومروان مقرٌّ بأنه طلقها، ونحن نخيرها فإن اختارتك أعدناها إليك بعقد جديد، وإن اختارت سواك زوّجناه بها. ثم التفت إليها أمير المؤمنين وقال: ما تقولين، يا سعدى؟ أيما أحبُّ إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وسلطانه وما تصيرين إليه عنده، أو مروان بن الحكم في عسفه وجوره، أو هذا الأعرابي في فقره وسوء حاله؟ فأنشأت تقول:
هذا، وإن كان في فقرٍ وإضرارِ، أعزُّ عندي من قومي ومن جاري!
وصاحب التَّاج أو مروان عامله وكلِّ ذي درهمٍ عندي ودينارِ!
ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدرات الأيام! وإن لي معه صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى! والله إني لأحق من صبر معه الضراء كما تنعَّمت معه السرَّاء! فعجب كلُّ من كان حاضراً. فأمر له بها ثم أعادها له بعقد جديد، وأمر لهما بألف دينار. فأخذها وانصرف يقول:
خلُّوا عن الطريق للأعرابي! ألم ترقُّوا، ويحكم مما بي؟
قال: فضحك معاوية وأمر بها فأدخلت في قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن الحكم ثم أمر برفعها إلى الأعرابي.
ولقد ساق ابن الجوزيّ في كتابه من أخبار العشاق وما نالهم من الأمراض والجنون والضنا، وقصّ كثيراً من أخبارهم، تركنا إيراد ذلك رغبةً في الاختصار، لأنه أمر غير منكور.
وأما من خاطر بنفسه وألقاها إلى الهلاك لأجل محبوبه، فمن ذلك ما روي عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان أنه قال: كان عبد الملك يجلس يومين في الأسبوع جلوساً عامّاً للناس: فبينما هو جالس في مستشرفٍ له وقد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصَّة غير مترجمة. فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ فيّ ما شاء من حكمه، فعل!.
فاستشاط من ذلك غضباً وغيظاً، وقال: يا رباح! عليّ بصاحب هذه القصة! فخرج الناس جميعاً فأدخل عليه الغلام كما عذَّر، من أحسن الفتيان، فقال له عبد الملك: يا غلام، هذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وما الذي غرّك منّي؟ والله لأمثلنّ بك ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة! ثم قال: عليّ بالجارية فجيء بها كأنها فلقة قمر! وبيدها عودها ووضع لها كرسيّ، فجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال لها: يا جارية، غنيني بشعر قيس بن ذريح:
لقد كنت حسب النفس، لو دام ودنا؛ ولكنما الدنيا متاع غُرورِ!
وكنَّا جميعاً قبل أن يظهر الهوى بأنعم حالي غبطةٍ وسرورِ.
فما برح الواشون حتَّى بدت لنا بطون الهوى مقلوبةً لظهورِ.
فغنت. فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقاً، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثاني! فقال: غنيني بشعر جميل:
ألا ليت شعري! هل أبيتنَّ ليلةً بوادي القرى؟ إني إذاً لسعيدُ!
إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي من الحُبِّ! قالت: ثابتٌ ويزيدُ!
وإن قلت: رُدِّي بعض عقلي أعش به مع الناس! قالت: ذاك منك بعيدُ!
فلا أنا مردودٌ بما جئت طالباً، ولا حُبُّها فيما يبيد يبيدُ!
يموت الهوى منِّي إذا ما لقيتها، ويحيا إذا فارقتها فيعودُ!
فغنت الجارية. فسقط الغلام مغشياً عليه ساعة. ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال يا جارية! غنيني بشعر قيس بن الملوّح:
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرةٍ غزالٌ غضيضُ المقلتين ربيبُ.
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى، ولكنَّ من تنأين عنه غريبُ!
فغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض. فقال عبد الملك: ويحه! لقد عجل على نفسه! ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل! وأمر بإخراج الجارية عن قصره، فأخرجت. ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق، ويده على رأسه:
غداً يكثر الباكون منا ومنكم، وتزداد داري من دياركم بُعدا!
وحكي أن هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك.
حكي عن أبي عثمان الجاحظ أنه قال: قعد سليمان بن عبد الملك يوماً للمظالم وعرضت عليه القصص فمرّت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إليّ فلانة إحدى جواريه حتى تغنيني ثلاثة أصوات، فعل. فاغتاظ سليمان وأمر أن يؤتى برأسه. ثم أتبع الرسول برسول آخر فأمره أن يدخل الرجل إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال: الثقة بحلمك، والاتكال على عفوك! فأمره بالجلوس، فجلس حتى لم يبق من بني أمية أحد. ثم أمر بإخراج الجارية فأخرجت ومعها عود، ثم قال: اختر! فقال: تغني لي بقول قيس بن الملوّح:
تعلَّق روحي روحها قبل خلقنا ومن بعد أن كنَّا نطافاً وفي المهدِ!
فعاش كما عشنا فأصبح نامياً، وليس - وإن متنا - بمنقصف العهدِ.
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها، إذا اغتسلت بالماء من رقَّة الجلدِ.
وإني لمشتاق إلى ريح جيبها، كما اشتاق إدريس إلى جنَّة الخلدِ!
فغنت. ثم قال: تأمر لي برطل. فأمر له به فشربه. ثم قال: تغني بقول جميل:
علقت الهوى منها وليداً، فلم يزل إلى اليوم ينمى حبُّها ويزيدُ.
وأفنيت عُمري في انتظار نوالها وأبليت فيها الدَّهر وهو جديدُ.
فلا أنا مردودٌ بما جئت طالباً، ولا حُبُّها فيما يبيد يبيدُ.
إذا قلت: ما بي يا بثينة طالباً، ولا حُبُّها فيما يبيد يبيدُ.
وإن قلت: ردّي بعض عقلي أعش به مع الناس! قالت: ذاك منك بعيدُ.
فغنت، فقال له سليمان: قل ما تريد؟ قال: تأمر لي برطل، فأمر له فشربه. ثم قال: تغني بقول قيس بن ذريح: لقد كنت حسب النفس الأبيات.
فغنت. فقال له سليمان: قل ما تشاء! قال: تأمر لي برطل! فأمر له به، فما استتمه حتى وثب فصعد إلى أعلى قبة ثم زجَّ نفسه على دماغه فمات. فاسترجع سليمان وقال: أتراه توهم الجاهل أني أُخرج إليه جاريتي وأردّها إلى لكي؟ يا غلام خذ بيدها فانطلق بها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها وتصدّقوا بثمنها عنه. فلما انطلقوا بها، نظرت إلى حفرة في الدار قد أُعدت للمطر، فجذبت يدها من أيديهم وأنشأت تقول:
من مات عشقاً فليمت هكذا! لا خير في عشق بلا موتِ!
وزجت نفسها في الحفرة على دماغها. فماتت.
وقد حكي أيضاً مثل هذه، وأنها وقعت للرشيد.
روي عن أبي بكر محمد بن عليّ المخزومي قال: اشتريت للرشيد جارية مدنية. فأُعجب بها وأمر الفضل بن الربيع أن يبعث في حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها. وأراد بذلك تشريفها. فوفد إلى مدينة السلام ثمانون رجلاً، ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية. فلما بلغ الرشيد خبر مقدمهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ليكتب اسم كل واحد منهم وحاجته، ففعل. فلما بلغ إلى العراقيّ قال: ما حاجتك؟ قال له: إن أنت كتبتها وضمنت لي عرضها مع ما يعرض، أنبأتك بها. فقال: أفعل ذلك، فقال: حاجتي أن أجلس مع فلانة حتى تغنِّيني ثلاثة أصوات وأشرب ثلاثة أرطال، وأخبرها بما تُجنّ ضلوعي من حبها! فقال الفضل: أنت موسوس مدخول عليك في عقلك! فقال: يا هذا، قد أُمرت أن تكتب ما يقول كلُّ واحد منا فاكتب ما أقول واعرضه، فإن أُجبت إليه وإلا فأنت في أوسع العذر، فدخل الفضل مغضباً فوقف بين يدي الرشيد، وقرأ عليه ما كتب من حوائجهم. فلما فرغ قال: يا أمير المؤمنين فيهم واحد مجنون! سأل ما أُجلُّ مجلس أمير المؤمنين عن التفوّه به. فقال: قل، ولا تجزعنّ! فقال: قال كذا وكذا. فقال: اخرج إليه، وقل له إذا كان بعد ثلاث، فاحضر لينجز لك ما سألت. وكن أنت متولِّي الاستئذان له. ثم دعا بخادم فقال له: امض إلى فلانة فقل لها: حضر رجل يذكر كذا وكذا وقد أجبناه إلى ما سأل فكوني على أهبة. وخرج الفضل إلى الرجل وأخبره بما قال الرشيد، فانصرف وجاء في اليوم الثالث. فعرّف الفضل الرشيد خبره فقال: يوضع له بحيث أرى كرسيٌّ من فضة، وللجارية كرسيٌّ من ذهب! وليخرج إليه ثلاثة أرطال! ففعلوا ذلك وجاء الفتى فجلس على الكرسيّ، والجارية بإزائه، فجعل يحدّثها والرشيد يراهما، فقال له الخادم: لم تدخل فتشتو وتصيِّف! فأخذ رطلاً وخرّ ساجداً، قال: إن شئت أن تغنِّي فغنِّي:
خليليَّ عوجاً! بارك الله فيكما وإن لم تكن هندٌ بأرضكما قصدا!
وقولا لها: ليس الضلال أجازنا؛ ولكنَّما جزنا لنلقاكما عمدا!
غداً يكثر الباكون منا ومنكم، وتزدادا داري من دياركم بعدا!
فغنت، فشرب الرطل، وحادثها ساعة. فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال: غني جعلني الله فداءك!
تكلَّم منَّا في الوجوه عيوننا، فنحن سكوتٌ والهوى يتكلَّمُ!
ونغضب أحياناً ونرضى بطرفنا، وذلك فيما بيننا ليس يُعلمُ!
فغنته وشرب الرطل الثاني وحادثها ساعة. واستعجله الخادم فخرّ ساجداً يبكي وأخذ الرطل بيده واستودعها الله وقام ودموعه تستبق المطر وقال: إذا شئت أن تغنِّي فغنِّي.
أحسن ما كُنَّا تفرّقنا وخاننا الدّهر وما خُنَّا!
فليت ذا الدهر لنا مرَّةً عاد لنا الدّهر كما كنا!
فغنته الصوت، فقلَّب الفتى طرفه فبصر بدرجة في الصحن، فأمها. فاتبعه الخدم ليهدوه الطريق، ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فمات. فقال الرشيد: عجَّل الفتى! ولو لم يعجِّل لوهبتها له!
وممن خاطر بنفسه في هواه وعرَّضها للتلف فنجا ونال خيراً، مال حكاه ابن الجوزيّ بسند يرفعه إلى أبي الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن الترسي قال: كنت جالساً بحضرة أبي، وأنا حدث، وعنده جماعة. فحدّثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الظريفة. وكان ممن حضر صديق لأبي. فسمعته يحدّث أبي، قال: حضرت عند صديق لي من التُّجَّار - كان يتَّجر بمائة ألف دينار - في دعوة. وكان حسن المروءة، فقدّم مائدة وقدّم عليها ديكريكة فلم يأكل منها، فامتنعنا. فقال: كلوا! فإني أتأذَّى بأكل هذا اللون. فقلنا: نساعدك على تركه. قال: بل أساعدكم على الأكل، وأحتمل الأذى! فأكل وأكلنا، فلما أراد غسل يده أطال. فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة. فقلت: يا هذا، وسوست! فقال: هذه الأذية التي قرفت منها! فقلت: وما سببها؟ فامتنع من ذكر السبب، فلما ألححت عليه، قال: مات أبي وسني عشرون سنة، وخلف لي نعمة وفيرة ورأس مال ومتاعاً في دكانه. فقال لما حضرته الوفاة: يا بُنيّ! إنه لا وارث لي غيرك، ولا دين عليّ ولا ظلمة. فإذا أنا متُّ فأحسن جهازي وتصدّق عني بكذا وكذا، وأخرج عني حجَّة بكذا، وبارك الله لك في الباقي! ولكن احفظ وصيتي! فقلت: قل! قال: لا تسرف في مالك، فتحتاج إلى ما في يدي الناس فلا تجده.
واعلم أن القليل مع الإصلاح كثير، والكثير مع الفساد قليل. فالزم السُّوق وكن أوّل من يدخلها، وآخر من يخرج منها. وإن استطعت أن تدخلها سحراً بليل فافعل، فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام، ومات. فأنفذت وصيته، وعملت بما أشار به. وكنت أدخل السوق سحراً، وأخرج منها عشاء. فلا أعدم من يجيء يطلب كفناً فلا يجد من قد فتح غيري فأحتكم عليه، ومن يبيع شيئاً والسوق لم تقم فأبتاع منه، وأشياء من هذه
الفوائد. ومضى عليّ سنة وكسر، فصار لي بذلك جاه عند أهل السوق وعرفوا استقامتي وأكرموني. فبينما أنا جالس يوماً ولم تتكامل السوق، وإذا بامرأة راكبة حماراً مصرياً وعلى كفله منديل دبيقي ومعها خادم وهي بزيّ القهارمة. فبلغت آخر السوق ثم رجعت، فنزلت عندي. فقمت إليها وأكرمتها، وقلت: ما تأمرين؟ وتأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء. فتكلمت وقالت: أريد كذا وكذا ثياباً طلبتها.
فسمعت نغمة ورأيت شكلاً قتلني فعشقتها في الحال أشدّ عشق، وقلت: اصبري حتى يخرج الناس، فآخذ ذلك لك فليس عندي إلا القليل مما يصلح لك. وأخرجت الذي عندي وجلست تحادثني، وكأن السكاكين في فؤادي من عشقها. وكشفت عن أنامل رأيتها كالطَّلع،
ووجه كدارة القمر. فقمت لئلا يزيد عليّ الأمر، وأخذت لها من السوق ما أرادت، وكان ثمنه مع مالي نحو خمسمائة دينار، فأخذته وركبت ولم تعطني شيئاً. وذهب عني لما تداخلني من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال، وأن أستدل على منزلها ومن دار من هي؟ فحين غابت عني، وقع لي أنها محتالة وأن ذلك سبب فقري. فتحيرت في أمري وكتمت خبري، لئلا أفتضح بما للناس عليّ. وأجمعت على بيع ما في يدي من المتاع وإضافته إلى ما عندي من الراهم وأدفع أموال الناس إليهم ولزوم البيت والاقتصار على غلة العقار الذي ورثته. وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع، وإذا بها قد أقبلت ونزلت عندي، فحين رأيتها أُنسيت جميع ما جرى عليّ، وقمت إليها. فقالت: يا فتى، تأخرنا عنك لشغل عرض لنا، وما شككنا في أنك لم تشك أنا احتلنا عليك، فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا! فقالت، هات التخت والطيار، فأحضرته، فأخرجت دنانير عتقاً، فوفتني المال بأسره. وأخرجت تذكرة بأشياء أُخر. فأنفذت إلى التجَّار أموالهم وطلبت منهم الذي أرادت، وحصلت أنا في الوسط ربحاً جيداً. وأحضر التُجَّار الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسي. ثم بعتها عليها بربح عظيم، وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر من تألف حبها، وهي تنظر إليّ نظر من فطنت بذلك ولم تنكره.
فهممت بخطابها ولم أقدر عليه. وجمعت المتاع فكان ثمنه ألف دينار. فأخذته، وركبت ولم أسألها عن موضعها. فلما غابت عني، قلت: هذه الآن الحيلة المحكمة! أعطتني خمسمائة دينار وأخذت ألف دينار، وليس إلا بيع عقاري الآن، والحصول على الفقر!
وتطاولت غيبتها عني نحو شهر. وألّح التجار عليّ بالمطالبة، فعرضت عقاري على البيع، ولازمني بعض التجار فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقاً وعيناً. فبينما أنا كذلك، إذ نزلت عندي. فزال عني جميع ما كنت فيه برؤيتها. واستدعيت الطيار والتخت، فوزنت المال ورمت إليّ تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير. فتشاغلت بإحضار التجار ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم، وطال الحديث بيننا. فقالت لي: يا فتى، ألك زوجةٌ؟ فقلت: لا، والله ما عرفت امرأة قط، وأطمعني ذلك فيها، وقلت: هذا وقد خطابها، والإمساك عنها عجزٌ، ولعلها تعود أو لا تعود. وأردت كلامها فهبتُها. وقمت كأني أحُثُّ التجار على جمع المتاع. وأخذت يد الخادم وأخرجت إليه دنانير وسألته أن يأخذها ويقضي لي حاجة. فقال: أفعل، فقصصت عليه قصتي وسألته توسط الأمر بيني وبينها.
فضحك وقال: والله إنها لك أعشق منك لها! ووالله ما بها إلى أكثر هذا الذي تشتريه، وإنما تأتيك محبةً لك وطريقاً إلى مطاولتك، فخاطبها ودعني، فجسَّرني على خطابها فخاطبتها وكشفت لها عشقي ومحبتي وبكيت، فضحكت. وتقبلت ذلك أحسن قبول. وقالت: الخادم يأتيك برسالتي. ونهضت ولم تأخذ شيئاً من المتاع، فرددته على أصحابه. وحصل لي مما اشترته أوّلاً وثانياً ألوف دراهم ربحاً، ولم أعرف النوم في تلك الليلة شوقاً إليها، وخوفاً من انقطاع السبب بيننا. فلما كان بعد أيام جاءني الخادم، فأكرمته وسألته عن خبرها، فقال: هي والله عليلة من شوقها إليك، فقلت: اشرح لي أمرها، فقال: هذه مملوكة السيدة أم المقتدر وهي من أخص جواريها، واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج. فتوصلت حتى جعلتها قهرمانة.
وقد والله حدّثت السيدة بحديثك وبكت بين يديها وسألتها أن تزوّجها منك، فقالت السيدة: لا أفعل أو أرى هذا الرجل. فإن كان يستأهلك وإلا لم أدعك ورأيك. وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة، فإن تمت وصلت بها إلى تزويجك بها، وإن انكشفت ضرب عنقك. وقد أنقذتني إليك في هذه الرسالة، وقالت لك: إن صبرت على هذا، وإلا فلا طريق لك والله إليّ، ولا لي إليك بعدها! فحملني ما في نفسي أن قلت: أصبر، فقال: إذا كانت الليلة فاعبر إلى المحرم، وادخل إلى المسجد، وبت فيه. ففعلت ذلك. فلما كان وقت السَّحر، إذا بطيار قد قدم، وخدم قد رفعوا صناديق فراغاً. فجعلوها في المسجد وانصرفوا. وخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد، والخادم معها. فجلست وفرقت باقي الخدم في حوائج، واستدعتني فعانقتني وقبلتني. ولم أكن نلت ذلك منها قبله. ثم أجلستني في بعض الصناديق وأقفلته. وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التي كانت أنفذتهم إليها، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقي الصناديق، وأقفلتها. وحُملت إلى الطيار وانحدر. فلما حصلت فيه ندمت وقلت: قتلت نفسي لشهوة، وأقبلت ألومها تارةً، وأشجعها وأمنيِّها أخرى، وأنذر النُّذور على خلاصي، وأوطِّن مرة نفسي على القتل إلى أن بلغنا الدار. وحمل الخدم الصناديق، وحمل صندوقي الخادم الذي يعرف الحديث، وبادر به أمام الصناديق وهي معي، والخدم يحملون بقيتها. وكلما جازت بطائفة من الخدم والبوّابين، قالوا: نريد أن نفتش الصندوق، فتصيح عليهم وتقول: متى جرى الرسم معي بهذا؟ فيمسكون عنها ورُوحي في السياق إلى أن انتهينا إلى خادم خاطبته هي بالأُستاذ.
فعلمت أنه أجل الخدم، فقال: لا بدّ من فتح الصندوق الذي معك، فخاطبته بلين وذل، فلم يجبها. وعلمت أنها ما ذلَّت ولها حيلة، فأغمى عليّ. وأنزلوا الصُّندوق ليفتحوه. فبلت من شدة ما نالني من الفزع، فجرى البول من خلال الصندوق. فصاحت: يا أستاذ، أهلكت علينا متاعاً بخمسة آلاف دينار في الصندوق، ثيابٌ مصبَّغات وماء ورد، وقد انقلب على الثياب، والساعة تختلط ألوانها، وهي هلاكي مع السيدة! فقال لها: خذي صندوقك إلى لعنة الله أنت وهو، مُري! فصاحت بالخدم: احملوا، فأُدخلت الدار ورجعت إليّ روحي، فبينما نحن كذلك إذ قالت: واويلاه! الخليفة والله! فجاءني أعظم من الأوّل. وسمعت كلام خدم وهو يقول من بينهم: ويلك يا فلانة! إيش في صندوقك؟ أريني هو، فقالت: ثياب لستي يا مولاي، والساعة أفتحه بين يديها، وتراه، وقالت للخدم: أسرعوا ويلكم! فأسرعوا فأدخلتني إلى الحجرة وفتحت الصندوق وقال: اصعد من هذه الدرجة إلى الغرفة فاجلس فيها، وفتحت صندوقاً آخر فقلبت بعض ما فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه، وأقفلت الجميع.
وجاء المقتدر وقال: افتحيه، ففتحته، فلم ير شيئاً فيه. فصعدت إليّ وجعلت تقبلني ترشفني. ونسيت ما جرى. ثم تركتني، وأقفلت باب الحجرة يومها. ثم جاءتني ليلاً فأطعمتني وسقتني وانصرفت. فلما كان من غد جاءتني، فقالت: السيدة الساعة تجيء، فانظر كيف تخاطبها، ثم عادت بعد ساعة مع السيدة، وقالت: انزل، فنزلت. فإذا بالسيدة جالسة على كرسيّ وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتي. فقبَّلْت الأرض وقمت بين يديها، فقالت: اجلس، فقلت: أنا عبد السيدة وخادمها، وليس من محلي أن أجلس بحضرتها، فتأملتني وقالت: ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب، ونهضت، فجاءتني صاحبتي بعد ساعة، وقالت: أبشر، فقد أذنت لي في تزويجك، وما بقي الآن عقبة إلا الخروج.
فقلت: يسلم الله! فلما كان من غدٍ حملتني في الصندوق. فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع ثان. ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلي، فتصدّقت، وحمدت الله تعالى على السلامة. فلما كان بعد أيام جاءني الخادم ومعه كيس وفيه ثلاثة آلاف دينار عيناً وقال: أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها. وقالت: اشتر به ثياباً ومركوباً وخدماً، وأصلح به ظاهرك، واحضر يوم الموكب إلى باب العامَّة، وقف حتَّى تُطلب. فقد وافق الخليفة أن يزوجك بحضرته. فأخذت المال وأجبت عن رقعة كانت معه، واشتريت ما قالوه بشيء يسير منه وبقي الأكثر عندي. وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزيّ حسن.
وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة، ووقفت إلى أن استدعيت ودخلت. فإذا أنا بالمقتدر جالساً والقضاة والقوّاد وغيرهم من الهاشميين. فهبت المجلس وعُلِّمت كيف أُسلِّم.
ففعلت. وتقدّم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لي وزوّجني. وخرجت من حضرته. فلما انتهيت إلى بعض الدهاليز، عُدل بي إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة وفيها من الآلات والخدم والقماش ما لم أر مثله قطُّ. وانصرف من أدخلني.
فجلست يومي لا أقوم إلا إلى الصلاة. وخدمٌ يدخلون وخدم يخرجون، وطعام عظيم ينقل وهم يقولون: الليلة تُزف فلانة باسم صاحبتي إلى زوجها البزّاز، وأنا لا أصدق فرحاً. فلما جاء الليل أثَّر فيّ الجوع وأُقفلت الأبواب، ويئست من الجارية، فقمت أطوف الدار فوقعت على المطبخ. ووجدت الطباخين جلوساً فاستطعمتهم فلم يعرفوني وقدّروني بعض الوكلاء. فقدموا إليّ هذا اللون مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ وقدّرت أنها قد نقيت. وعدت إلى مكاني.
فلما جنّ الليل إذا طبول وزمور وأصوات عظيمة، وإذا أنا بالأبواب قد فُتِّحت وصاحبتي قد أُهديت إليّ وجاءوا بها فجلوها عليّ، وأنا أقدّر أن ذلك في النوم. ثم تركت معي في المجلس. وتفرّق ذلك البوش. فلما خلونا، تقدمت إليها فقبلتها وقبلتني. فلما شمَّت رائحة لحيتي، رفستني فرمت بي عن المنصة وقالت: أنكرت والله أن تفلح يا عاميِّ، يا سفلة، وقامت لتخرج، فقمت وعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها، وقلت: عرفيني ذنبي واعملي بعده ما شئت، فقالت: ويحك، أكلت ولم تغسل يدك! فقصصت عليها قصتي، فلما بلغت إلى آخرها قلت: عليّ وعليّ - وحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة أتزوّجها وصدقة مالي وجميع ما أملكه والحجِّ ماشياً على قدميّ وكلِّ ما يحلف به المسلمون لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة. فاستحيت وتبسمت وصاحت: يا جواري! فجاء مقدار عشر جوار ووصائف، فقالت: هاتوا شيئاً نأكل، فقدّمت ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء. فأكلنا وغسلنا أيدينا. واستدعت شراباً فشربنا وغنَّى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه، ثم قمنا إلى الفراش فخلوت بها وبتُّ بأطيب ليلة، ولم نفترق أسبوعاً. وكانت يوم الأسبوع وليمةٌ عظيمةٌ اجتمع في ه الجواري. فلما كان من الغد، قالت لي: إن دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا مع جارية غيري، لمحبة سيدتي لي.
وجميع ما تراه فهو هبة من السيدة لي. وقد أعطتني خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر. ولي ذخائر في خارج القصر كثيرةٌ من كل لون. وجميعها لك، فاخرج إلى منزلك، وخذ معك مالاً واشتر داراً سريَّةً واسعة الصحن، فيها بستان، كثيرة الحجر. وتحوّل إليها، وعرفني لأنقل إليها هذا كله، ثم آتيك، وسلمت إليّ عشرة آلاف دينار عيناً. فخرجت وابتعت الدار وكتبت إليها بالخبر. فحملت إليّ تلك النعمة بأسرها. فجميع ما أنا فيه منها، فأقامت عندي كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء. ولم أدع مع ذلك التجارة. فزاد مالي وعظمت منزلتي وأثرت حالي، وولدت لي هؤلاء الفتيان وأومأ إلى أولاده. ثم ماتت رحمها الله وبقي عليّ من مضرة الديكيريكة ما شاهدته.
وبالجملة فلا يغترّ أحد بهذه الحكاية وأمثالها، فيجهل بنفسه فيهلكها. فما المغرِّر محمود وإن سلما.
وأما من كفر بسبب العشق فكثير جداً لا ينحصرون، ومما ورد في ذلك حكاية عجيبة أوردتها لغرابتها وهي مما حكاه ابن الجوزيّ في كتابه المترجم بذم الهوى قال: سمعت شيخنا أبا الحسن عليّ بن عبيد الله الزعفراني يحكي أن رجلاً اجتاز بباب امرأة نصرانية، فرآها فهويها من وقته، وزاد الأمر به حتى غلب على عقله، فحمل إلى البيمارستان. وكان له صديق يتردّد إليه ويترسل بينه وبينها. ثم زاد الأمر به، فقالت أمُّه لصديقه: إني أجيء إليه فلا يكلمني، فقال: تعالي معي، فأتت معه. فقال له: إن صاحبتك بعثت إليك رسالة، قال: كيف؟ قلت: هذه أمك تؤدّي رسالتها. فجعلت أمه تحدّثه عنها بشيء من الكذب. ثم زاد الأمر عليه ونزل به الموت، فقال لصديقه: قد جاء الأجل وحان الوقت وما لقيت صاحبتي في الدّنيا، وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة. فقال له: كيف تصنع؟ قال: أرجع عن دين محمد، وأقول عيسى ومريم والصليب الأعظم. فقال ذلك ومات. فمضى صديقه إلى تلك المرأة فوجدها عليلة فجعل يحدّثها، وأخبرها بموت صاحبها، فقالت: أنا ما لقيته في الدّنيا وأنا أريد أن ألقاه في الآخرة. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأنا بريئة من دين النصرانية. فقام أبوها فقال للرجل: خذوها الآن فإنها منكم، فقام الرجل ليخرج، فقال له: قف ساعة؛ فوقف، فما لبث أن ماتت.
قال: وبلغني عن رجل ببغداد يقال له صالح المؤذن، أذَّن أربعين سنة، وكان يُعرف بالصلاح أنه صعد يوماً إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصرانيّ كان بيته إلى جانب المسجد. فافتتن بها، فجاء فطرق الباب فقالت له: من أنت؟ قال: أنا صالح المؤذن. ففتحت له الباب فدخل وضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات، فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتيني على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا، إلا أن تترك دينك، فقال كلمة الكفر وبرئ من الإسلام. ثم تقدّم إليها فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك. فكل من لحم الخنزير، فأكل منه، قالت: فاشرب الخمر، فشرب. فلما دبَّ الشراب فيه دنا منها فدخلت بيتاً وأغلقت بينها وبينه الباب، وقالت له: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك. فصعد فسقط فمات. فخرجت إليه ولفته في مسح. وجاء أبوها فقصت عليه القصة فأخرجه في الليل ورماه في السكة. وظهر حديثه، فرمي على مزبلة.
وأما من قتل بسبب العشق فلا يكاد ذلك يحصر كثرةً، وأعظمه وأشده واقعة عبد الرحمن بن ملجم المراديّ، لعنه الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا عليّ أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الأوّلين والآخرين قاتلك، وهو هذا وأشار إلى ابن ملجم قبحه الله تعالى ولعنه، وأوجب له خزيه ومقته وعذابه، وذلك نكالاً لما اجترأ عليه في قتله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وذلك أن ابن ملجم قبحه الله رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام، كانت من أجمل النساء وكانت ترى رأى الخوارج، وقد قتل عليّ رضي الله عنه قومها يوم النَّهروان. فلما رآها ابن ملجم عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وأن تقتل عليّ بن أبي طالب.
فحمله العشق على أن خسر الدنيا والآخرة، وتزوجها على ذلك. وكان من خبره في قتل عليّ رضي الله عنه ما نذكره إن شاء الله تعالى في التاريخ. وفي ذلك يقول الشاعر:
فلم أر مهراً ساقه ذو سماحةٍ كمهر قطام بينَّاً غير مُعجم.
ثلاثة آلافٍ، وعبدٌ، وقينةٌ، وضربٌ عليٍّ بالحسام المصمِّم.
فلا مهر أغلى من عليٍّ وإن علا ولا فتك إلا فتك ابن ملجم!
ومنهم من حمله العشق على قتل أبيه. وهو أبو عبد الملك مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر، ويعرف هذا بالطليق. كان يتعشق جارية كان أبوه قد ربَّاها معه وذكر أنها له، ثم استأثر بها وخلا معها. فحمله العشق على أن انتضى سيفاً ورصد أباه في بعض خلواته بها فقتله. فسجنه المنصور بن ابي عامر سنين، ثم أطلقه. فلُقِّب بالطَّليق واعتراه من ذلك شبه الجنون فكان يُصرع في بعض الأوقات.
وأما من قُتل بسبب العشق، فروي عن الشعبيّ قال: دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: يا عمرو، أخبرني عن أشجع من لقيت، فقال: نعم يا أمير المؤمنين.
خرجت مرة أريد الغارة. فبينما أنا أسير إذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا رجل جالس، وهو كأعظم ما يكون من الرجال خلقاً، وهو محتب بسيف. فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك، فقال: ومن أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، فشهق شهقة فمات. فهذا أجبن من رأيت يا أمير المؤمنين.
وخرجت يوماً حتى انتهيت إلى حيّ. فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجةً. فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك، قال: من أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: أبا ثور، ما أنصفتني، أنت على ظهر فرسك، وأنا في بئر، فأعطني عهداً أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري، فأعطيته عهداً أن لا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره. فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبى بسيفه وجلس. فقلت له: ما هذا؟ فقال: ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك، فإن نكثت عهدك فأنت أعلم، فتركته ومضيت. فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت!
ثم إني خرجت يوماً آخر حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه. فلم أر أحداً فأجريت فرسي يميناً وشمالاً فظهر لي فارس. فلما دنا مني إذا هو غلام قد أقبل من نحو اليمامة. فلما قرب مني سلَّم فرددت عليه وقلت: من الفتى؟ قال: أنا الحارث بن سعد، فارس الشهباء، فقلت له: خذ حذرك، فإني قاتلك. فقال: الويل لك! من أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: الحقير الذليل؟ والله ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك، فتصاغرت
نفسي إليّ وعظُم عندي ما استقبلني. فقلت له: خذ حذرك، فو الله لا ينصرف إلا أحدنا، قال: أغرب، ثكلتك أمُّك! فإني من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط! فقلت: هو الذي تسمع، قال: اختر لنفسك، إما أن تطرد لي، وإما أن أطرد لك، فاغتنمتها منه، فقلت: أطرد لي، فأطرد وحملت عليه، حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه، إذ هو قد صار حزاماً لفرسه، ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي، وقال: يا عمرو، خذها إليك واحدة، فوالله لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فتصاغرت إليّ نفسي، وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحبَّ إليّ مما رأيت، فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا، فقال: اختر لنفسك، فقلت: أطرد لي، فأطرد لي. فظننت أني قد تمكنت منه واتبعته حتى إذا ظننت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه، فإذا هو قد صار لبياً لفرسه، ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة وقال: يا عمرو، خذها إليك اثنتين، فتصاغرت إليّ نفسي فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا، فقال: اختر
لنفسك، فقلت: أطرد لي، فأطرد حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض، فأخطأته ومضيت، فاستوى على فرسه واتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو، خذها إليك ثالثة، ولولا أني قتل مثلك لقتلتك، فقلت له: اقتلني، فإن الموت أحب إليّ مما أرى بنفسي وأن تسمع فتيان العرب بهذا، فقال: يا عمرو إنما العفو ثلاث، وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك، وأنشأ يقول:
وكدَّت أغلاظاً من الأيمانِ إن عدت يا عمرو إلى الطِّعان،
لتوجرنَّ لهب السِّنان أولا، فلست من بني شيبان!
فلما قال هكذا، كرهت الموت، وهبته هيبة شديدة، وقلت: إنّ لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قلت: أكون لك صاحباً، ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين، قال: لست من أصحابي، فكان ذلك والله أشدّ عليّ وأعظم مما صنع. فلم أزل أطلب إليه حتى قال: ويحك، وهل تدري أين أريد؟ قلت: لا، قال: أريد الموت عياناً، فقلت: رضيت بالموت معك، فقال: امضي بنا، فسرنا جميع يومنا وليلتنا حتى جننَّا الليل وذهب شطره. فوردنا على حيٍّ من أحياء العرب، فقال لي: يا عمرو في هذا الحيِّ الموت، ثم أومأ إلى قبةٍ في الحيِّ فقال: وفي تلك القبة الموت الأحمر، فإما أن تمسك عليّ فرسي فأنزل فأتي بحاجتي، وإما أن أمسك عليك فرسك فتنزل فتأتيني بحاجتي، فقلت: لا، بل انزل أنت، فأنت أعرف بموضع حاجتك، فرمى إليّ بعنان الفرس ونزل، فرضيت لنفسي يا أمير المؤمنين أن أكون له ساساً.
ثم مضى حتى دخل العقبة فاستخرج منها جاريةً لم تر عيناي قط مثلها حسناً وجمالاً، فحملها على ناقة، ثم قال: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: إما أن تحميني وأقود أنا، وإما أن أحميك وتقود أنت، قلت: بل تحميني أنت، وأقود أنا، فرمى إليّ بزمام الناقة، وسرنا بين يديه وهو خلفنا حتى أصبحنا، فقال لي: يا عمرو، قلت: لبيك، ما تشاء؟ قال: التفت فانظر هل ترى أحداً؟ قال: فالتفت، فقلت: أرى جمالاً، قال: أغذّ السير، ثم قال لي: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: انظر، فإن كان القوم قليلاً فالجلد والقوة والموت، وإن كانوا كثيراً فليسوا بشيء، قال: فالتفتُّ، فقلت: هم أربعة أو خمسة، قال: أغذَّ السير، ففعلت، وسمع وقع الخيل، فقال لي: يا عمرو، قلت: لبيك! قال: كن عن يمين الطريق، وقف وحوّل وجوه دوابنا إلى الطريق، ففعلت، ووقفت عن يمين الراحلة ووقف هو عن يسارها. ودنا القوم منا، فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ وهو أبو الجارية وأخواها غلامان شابان، فسلموا فرددنا السلام، ووقفوا عن يسار الطريق. فقال الشيخ: خلِّ عن الجارية يا ابن أخي، فقال: ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها، فقال لأصغر ابنيه: اخرج إليه، فخرج وهو يجرّ رمحه وحمل عليه الحارث وهو يقول:
من دون ما ترجوه خصب الذابل من فارسٍ مستلئم مقاتل،
ينمي إلى شيبان خير وائل ما كان سيرى نحوها بباطل!
ثم شدَّ عليه فطعنه طعنةً دقَّ منها صلبه، فسقط ميتاً. فقال الشيخ لابنه الآخر: اخرج إليه يا بنيَّ، فلا خير في الحياة على الذل، فخرج إليه وأقبل الحارث يقول:
لقد رأيت كيف كانت طعنتي! والطعن للقرن الشديد همَّتي.
والموت خيرٌ من فراق خلّتي فقتلتي اليوم ولا مذلَّتي!
ثم شدّ عليه فطعنه طعنةً سقط منها ميتاً. فقال له الشيخ: خلِّ عن الظعينة يا ابن أخي، فإني لست كمن رأيت، قال: ما كنت لأخلِّيها ولا هذا قصدت، فقال له الشيخ: اختر يا ابن أخي، فإن شئت طاردتك، وإن شئت نازلتك، فاغتنمها الفتى ونزل. ونزل الشيخ وهو يقول:
ما أرتجي بعد فناء عُمري؟ سأجعل السِّنين مثل الشهرِ.
شيخٌ يحامي دون بيض الخدر. إن استباح البيض قصم الظَّهر.
سوف ترى كيف يكون صبري فأقبل الحارث وهو يقول:
بعد ارتحالي وطويل سفري وقد ظفرت وشفيت صدري.
والموت خيرٌ من لباس الغدر، والعار أُهديه لحيِّ بكر.
ثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخي، إن شئت نازلتك، وإن بقيت فيك قوة ضربتني، وإن شئت فاضربني، فإن بقيت فيّ قوة

الموضوع الأصلي : حكايات في ذم العشق والحب الكاتب : AlexaLaw المصدر : منتديات عالم القانون
التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس : ذكر

تاريخ التسجيل : 03/03/2010

عدد المساهمات : 19233

نقاط : 12651518

%إحترامك للقوانين 100

العمر : 27

الأوسمه :




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: رد: حكايات في ذم العشق والحب   12/11/2011, 23:21

خيارات المساهمة


ثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخي، إن شئت نازلتك، وإن بقيت فيك قوة ضربتني، وإن شئت فاضربني، فإن بقيت فيّ قوةٌ ضربتك، فاغتنمها الفتى فقال: وأنا أبدؤك، قال: هات، فرفع الحارث السيف، فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه، ضرب بطنه ضربة فقد معاه، ووقعت ضربة الحارث في رأسه. فسقطا ميتين. فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف، ثم أقبلت إلى الناقة فعقدت أعنة الأفراس بعضها إلى بعض وجعلت أقودها. فقالت الجارية: يا عمرو، إلى أين؟ ولست لي بصاحب، ولست كمن رأيت، ولو كنت صاحبي لسلكت سبيلهم! فقلت: اسكتي، قالت: فإن كنت صادقاً فأعطني سيفاً ورمحاً، فإن غلبتني فأنا لك، وإن غلبتك قتلتك، فقلت لها: ما أنا بمعطيك ذلك، وقد عرفت أصلك وجُرأة قومك وشجاعتهم، فرمت بنفسها عن البعير وهي تقول:
أ بعدما شيخي وبعد اخوتي أطلب عيشاً بعدهم في لذَّةِ؟
هل لا تكون قبل ذا منيَّتي؟
وأهوت إلى الرُّمح فكادت تنتزعه من يدي. فلما رأيت ذلك خفت إن هي ظفرت بي أن تقتلني، فقتلتها. فهذا أشد ما رأيته يا أمير المؤمنين. فقال عمر بن الخطاب: صدقت يا عمرو.
وروى ابن الجوزيّ بسند إلى الليث بن سعد أنه قال: أُتي عمر رضي الله عنه بفتىً أمرد قد وجد قتيلاً مُلقى في الطريق. فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر، ولم يعرف قاتله. فشقَّ ذلك عليه، وقال: اللهم ظفِّرني بقاتله. حتى إذا كان رأس الحول أو قريب من ذلك، وجد صبي مولود مُلقى بموضع القتيل فأُتي به عمر. فلما أُتي به وأُخبر بمكانه، قال: ظفرت تالله بدم القتيل إن شاء الله تعالى، فدفع الصبي إلى امرأة، وأمرها أن تقوم بشأنه وأعطاها نفقة. وقال: انظري من يأخذه منك، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها. فلما شبّ الصبي جاءت جاريةٌ فقالت للمرأة إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي إليها بالصبيّ لتراه وتردّه إليك. قالت: نعم، اذهبي به إليها وأنا معك، فذهبت بالصبيّ والمرأة معها إلى سيدتها. فلما رأته أخذته فقبلته وضمَّته إلى صدرها.
وإذا هي بنت شيخ من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرت عمر خبرها. فاشتمل على سيفه، ثم أقبل على منزلها، فوجد أباها متكئاً على باب داره. فسلم عليه، وقلا له: أبا فلان، قال: لبيك، قال: ما فعلت ابنتك فلانة؟ قال: يا أمير المؤمنين، جزاها الله خيراً، هي من أعرف الناس بحق الله تعالى وحق أبيها، مع حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها، فقال عمر: قد أحببت أن أدخل إليها فأزيدها رغبةً في الخير وأحثها على ذلك. فقال: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين، لمكث مكانك حتى أعود إليك، فاستأذن بعمر، فلما دخل عمر، أمر من كان عندها بالخروج عنها، فخرجوا.
وبقيت هي وعمر ليس معهما ثالث. فكشف عمر عن السيف، وقال: لتصدقيني وإلا ضربت عنقك، وكان عمر لا يكذب، فقالت: على رسلك يا أمير المؤمنين، فو الله لأصدقنك. إن عجوزاً كانت تدخل عليّ فاتخذتها أمّاً، وكانت تقوم من أمري بما تقوم به الوالدة، وكنت لها بمنزلة البنت، فأمضت بذلك حيناً. ثم إنها قالت لي يوماً: يا بنية، إنه قد عرض لي سفر، ولي بنت في موضع أتخوّف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري، فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة الجارية وأتتني به لا أشك أنه جارية. فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية حتى أغفلني يوماً وأنا نائمة فما شعرت حتى علاني وخالطني. فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جنبي فقتلته. ثم أمرت به فألقي حيث رأيت. فاشتملت منه على هذا الصبي، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه. فهذا والله خبرهما، فقال عمر: صدقت، بارك الله فيك، ثم أوصاها ووعظها ودعا لها وخرج، وقال لأبيها: بارك الله لك في ابنتك، فنعم الابنة هي! وقد وعظتها وأمرتها، فقال: وصلك الله يا أمير المؤمنين، وجزاك خيراً عن رعيتك.
وروى أيضاً بسنده إلى أبي عباد قال: أدركت الخادم الذي كان يقوم على رأس الحجاج، فقلت له: أخبرني بأعجب شيء رأيته من الحجاج! قال: كان ابن أخيه أميراً على واسط، وكان بواسط امرأة يقال لها أبَّة، لم يكن بواسط في ذلك الوقت أجمل منها. فأرسل ابن أخيه إليها يراودها عن نفسها مع خادم له. فأبت عليه وقالت: إن أردتني فاخطبني إلى اخوتي، وكان لها أربعة اخوة فأبى، وقال: لا، إلا كذا. وعاودها فأبت، فراجعها وأرسل
إليها بهدية فأخذتها وعزلتها. وأرسل إليها عشية الجمعة: إني آتيك الليلة، فقالت لأمها: إن الأمير بعث إليّ بكذا وكذا. فأنكرت أمُّها ذلك، وقالت أمها لاخوتها إن أختكم قد زعمت كيت وكيت: فأنكروا ذلك وكذبوها. فقالت إنه قد وعدني أن يأتيني الليلة، لترونه. قال: فقعد اخوتها في بيت حيال البيت الذي هي فيه، وجويريةٌ لها على باب الدار تنتظره.
فجاء ونزل عن دابته وقال لغلامه: إذا أذن المؤذن في الغلس، فأتني بدابتي، ودخل والجارية أمامه. فوجد أبَّة على سرير مستلقيةً. فاستلقى إلى جانبها ثم وضع يده عليها، وقال: إلى كم ذا المطل؟ فقالت له: كف يدك يا فاسق، ودخل اخوتها عليه بأيديهم السيوف فقطَّعوه ثم لفوه في نطع وجاءوا به إلى سكة من سكك واسط فألقوه فيها. وجاء الغلام بالدابة فجعل يدُقُّ الباب دقّاً رفيقاً فلا يكلمه أحد. فلما خشي الضوء وأن تعرف الدابة انصرف. وأصبح الناس فإذا هم به على تلك الصفة. فأتوا به الحجاج فأخذ أهل تلك السكة، فقال أخبروني: ما قصته؟ قالوا: لا نعلم حاله، غير أنا وجدناه ملقىً. ففطن الحجاج فقال: عليّ بمن كان يخدمه، فأُتي بذلك الخصيّ الذي كان الرسول بينهما، فقالوا: هذا كان صاحب سره، فقال له الحجاج: اصدقني عن خبره وقصته، فأبى. فقال: إن صدقتني لم أضرب عنقك، وإن لم تصدقني فعلت بك وفعلت. قال: فأخبره الأمر على جهته. فأمر بالمرأة وأُمها واخوتها، فجيء بهم، وعُزلت المرأة عنهم. فسألها فأخبرته بمثل ما أخبر به الخصيّ، ثم سأل اخوتها، فأخبروه بمثل ذلك ولم يختلفوا، وقالوا: نحن صنعنا به الذي ترى، فأمر برقيقه ودوابه للمرأة، فقالت المرأة هديته عندي، فقال: بارك الله لك فيها، وكثَّر في النساء مثلك، وهي لك، وما ترك من شيء فهو لك، وقال: مثل هذا لا يدفن.
فألقوه للكلاب، ودعا بالخصيّ فقال: أما أنت فقد قلت لك إني لا أضرب عنقك! وأمر بضرب وسطه، فقطع نصفين. والأخبار في مثل هذا كثيرة، فلا نطوّل بذكرها.
وأما من قتله العشق فكثير جداً لا يكاد يحصر، روى عن عكرمة قال: إني لمع ابن عباس عشية عرفة، إذ أقبل فتيةٌ يحملون فتىً من بني عُذرة في كساء، وهو ناحل البدن، أحلى من رأيت من الفتيان، فوضعوه بين يديه ثم قالوا: استشف لهذا يا ابن عمّ رسول الله، فقال: وما به؟ فترنم الفتى بصوت ضعيف خفيّ الأنين، وهو يقول:
بنا من جوى الأحزان والحبِّ لوعةٌ تكاد لها نفس الشفيق تذوب!
ولكنّما أبقى حشاشة معولٍ على ما به عودٌ هناك صليب!
وما عجبٌ موت المحبين في الهوى؛ ولكن بقاء العاشقين عجيب!
قال: ثم حمل فمات في أيديهم، فقال ابن عباس: هذا قتيل الحبّ، لا عقلٌ ولا قود. قال عكرمة: فما رأيت ابن عباس سأل الله تعالى تلك الليلة- حتى أمسى- إلا العافية مما ابتلى به ذلك الفتى.
وروى عن الأصمعيّ قال: حدثني أبو عمرو بن العلاء قال: حدثني رجل من بني تميم قال: خرجت في طلب ضالة لي. فبينا أنا أدور في أرض بني عُذرة أنشد ضالتي، إذا بيت معتزل عن البيوت، وإذا في كسر البيت شابٌ مغمى عليه، فلو نزلت إليه فوعظته! قال: فنزلت إليه فلم أدع شيئاً من الموعظة إلا وعظته به حتى أن قلت له فيما قلت: إنهنّ الغواني صاحبات يوسف، ناقضات العهد، وقد قال فيهن كثير عزَّة:
هل وصل عزَّة إلا وصل غانية في وصل غانيةٍ من وصلها خلفُ؟
قال: فرفع رأسه، محمرةً عيناه كالمغضب، قال: لست ككثير عزة! إنّ كثيراً رجل مائقٌ، وأنا رجل وامقٌ! ولكنني كأخي تميم حيث يقول:
ألا لا يضير الحبُّ ما كان ظاهراً، ولكنَّ ما اختاف الفؤاد يضيرُ!
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني كما قيد مغلول اليدين أسيرُ!
فقلت له: فإنه قد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أُصيب منكم بمصيبةٍ فليذكر مصابه بي. فأنشأ يقول:
ألا ما للمليحة لا تعودُ؟ أ بخلٌ بالمليحة أم صدودُ؟
مرضت فعادني أهلي جميعاً فما لك لا نرى فيمن يعودُ!
فقدتك بينهم فبكيت شوقاً، وفقد الإلف يا أملي شديدُ!
وما استبطأت غيرك فاعلميه وحولي من ذوي رحمي عديدُ!
ولو كنت السقيمة، كنت أسعى إليك ولم ينهنهني الوعيدُ!
قال: ثم شهق شهقةً وخفت، فمات. فبكت العجوز وقالت: فاضت والله نفسه! فدخلني أمر لم يدخلني مثله قط. فلما رأت العجوز ما حلَّ بي، قالت: يا فتى لا ترعْ! عاش بأجلٍ، ومات بقدر، وقدم على ربٍّ كريم، واستراح من تباريحه وغصصه! ثم قالت: هل لك في استكمال الصنيعة؟ قلت: قولي ما أحببت! قالت: تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه، فإني وحيدة. قال: فركبت فرسي وقصدت البيوت وأقبلت أنعاه إليهم. فبينما أنا أنعاه، إذا خيمةٌ رُفع جانبٌ منها، وإذا امرأة قد خرجت كأنها القمر ليلة البدر. ناشرة شعرها، تجرُّ خمارها، وهي تقول: بفيك الكثكث! بفيك الحجر! من تنعي؟ قلت: أنعي فلاناً! قالت: أو قد مات؟ قلت: إي والله قد مات! قالت: فهل سمعت له قولاً، قلت: اللهم لا، إلا شعراً، قالت: وما هو؟ فأنشدتها قوله:
ألا ما للمليحة لا تعود الأبيات فاستعبرت باكية وأنشات تقول:
عداني أن أزورك يا مناي معاشر كُلُّهم واشٍ حسودُ!
أشاعوا ما علمت من الدواهي وعابونا، وما فيهم رشيدُ!
فأما إذ ثويت اليوم لحداً فكلُّ الناس دورهم لحودُ.
فلا طابت لي الدُّنيا فواقاً ولا لهم ولا أثري عديدُ!
ثم شهقت شهقةً وخرَّت مغشياً عليها، وخرج النساء من البيوت واضطربت ساعة وماتت. فو الله ما برحت حتَّى دفنتهما جميعاً. وروى الساجي عن الأصمعي قال: رأيت بالبادية رجلاً قد دق عظمه، وضؤل جسمه، ورق جلده. فتعجبت ودنوت منه أسأله عن حاله. فقالوا: اذكر له شيئاً من الشعر يكلمك، فقلت:
سبق الفضاء بأنَّني لك عاشقٌ حتى الممات، فأين منك مذاهبي؟
فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته، ثم أنشأ يقول:
أخلو بذكرك لا أريد محدّثاً، وكفى بذكرك سامراً وسرورا!
قال: فقلت له: أخبرني عنك! قال: إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة! ففعلت، فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه:
ألا ما للمليحة لا تعودُ أ بخلٌ بالمليحة أم صدودُ؟
فلو كنت المريضة كنت أسعى إليك ولم ينهنهني الوعيدُ!
فإذا جارية مثل القمر، قد خرجت فألقت نفسها عليه فاعتنقا. وطال ذلك، فسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس. فلما خفت عليهما الفضيحة، فرَّقت بينهما، فإذا هما ميتان. فما برحت حتى صليت عليهما ودفنا. فسألت عنهما، فقيل لي: عامر بن غالب، وجميلة بنت أميل المزنيَّان.
وروى ابن الجوزيّ بسند يرفعه إلى محمد بن خلف قال: ذكر بعض الرواة عن العمريّ قال: كان أبو عبد الله الجيشاني يعشق صفراء العلاقمية. وكانت سوداء، فاشتكى من حبها، وضنى حتى صار إلى حدِّ الموت. فقال بعض أهله لمولاها: لو وجهت صفراء إلى أبي عبد الله الجيشاني، فلعله أن يعقل إذا رآها! ففعل. فلما دخلت عليه قالت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير ما لم تبرحي! قالت: ما تشتهي؟ قال: قربك! قالت: ما تشتكي؟ قال: حبَّك! قالت: فتوصي بشيء؟ قال: نعم، أوصي بك إن قبلوا مني! فقالت: إني أريد الانصراف! قال: فتعجلي ثواب الصلاة عليّ! فقامت فانصرفت، فلما رآها مولية تنفس الصعداء. ومات من ساعته.
وروي أيضاً بسند يرفعه إلى عوانة بن الحكم أن عبد الله بن جعفر وفد إلى عبد الملك بن مروان فحدّثه، قال: اشتريت جاريةً بعشرة آلاف درهم، فوصفت ليزيد بن معاوية فأرسل إليّ يقول: إما أن تهديها إليّ، وإما أن تبيعها بحكمك، فكتبت إليه: لا تخرج والله من ملكي ببيع ولا هبة أبداً. ومكثت عندي لا أزداد لها إلا حباً. حتى أتتني عجوز من عجائزنا، فذكرت أن بعض عُزاب المدينة يهواها، وأنه يجيء في كل يوم متنكراً فيقف بالباب حتى يسمع غناءها. فراعيت مجيئه ليلة، فإذا به قد أقبل متقنع الرأس حتى قعد مستخفياً فدعوت قيِّمة الجارية، فقلت: انطلقي الساعة فأصلحي هذه الجارية بأحسن ما امكن، وعجلي بها، ففعلت. فقمت وقبضت على يدها وفتحت الباب وأتيت إلى الرجل فحركته فانتبه مذعوراً. فقلت: لا بأس عليك، خذ هذه الجارية، هي لك، فإذا هممت ببيعها فارددها إليّ، فدهش الفتى. فدنوت إلى أذنه فقلت: ويحك، قد أظفرك الله عز وجل ببغيتك، فانصرف إلى منزلك، فإذا الفتى ميت، فلم أر شيئاً قط أعجب من ذلك، وهانت عليّ الجارية، فكرهت أن أوجِّه بها إلى يزيد فيعلم حالها أو تخبره عن نفسها فيحقد ذلك عليّ. فمكثت مدّة مديدة ثم ماتت. ولا أظنها ماتت إلا كمداً وأسفاً على الفتى.
وروى ابن الجوزي أيضاً بسنده قال: حُكي عن شبابة بن الوليد العذري أن فتىً من بني عُذرة يقال له أبو مالك بن النضر، كان عاشقاً لابنة عمّ له عشقاً شديداً. فكان على ذلك مدّةً، ثم إنه فقد بضع عشرة سنةً، لا يُحسُّ له خبر. قال شبابة: فأضللت إبلاً لي. فخرجت في طلبها. فبينما أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف:
يا ابن الوليد، ألا تحمون جاركم وتحفظون له حقَّ القراباتِ؟
عهدي إذا جار قوم نابه حدثٌ، وقوه من كلِّ مكروه الملمَّاتِ؟
هذا أبو مالك المسمى ببلقعةٍ من الضِّباع وآساد بغاباتِ!
طليح سوقٍ، بنار الحبِّ محترقٌ، تعتاده زفراتٌ إثر لوعاتِ!
أما النهار فيمضيه تذكُّره، والليل مرتقبٌ للصبح هل يأتي.
بهذي بجاريةٍ من عذرة اختلست فؤاده، فهو منها في بليَّاتِ!
فقلت: دُلني عليه، رحمك الله! قال: نعم، اقصد الصوت، فقصدته، فسمعت أنيناً من خباء فإذا قائل يقول:
يا رسيس الهوى، أذبت فؤادي وحشوت الحشا عذاباً أليماً!
فدنوت منه فقلت: أبو مالك؟ قال: نعم! قلت: ما بلغ بك إلى ما أوى؟ قال: حُبي سعاد ابنة أبي الهندام العذريّ. شكوت يوماً ما أجد من حبها إلى ابن عمّ لنا فاحتملني إلى هذا الوادي، منذ بضع عشرة سنة، يأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني من عنده. فقلت إني أصير إلى أهلها فأخبرهم ما رأيت. قال: أنت وذاك، قال: فانصرفت فأخبرتهم، فرقُّوا له فزوّجوه بحضرتي. فرجعت إليه لأفرّج عنه، فلما أخبرته الخبر، نظر إليّ، ثم تأوّه شديداً بلغ من قلبي، ثم قال:
ألآن إذ حشرجت نفسي وخامرها فراق دنيا وناداها مناديها!
ثم زفر زفرة فمات. فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأخبرتهم الخبر. فأقامت الجارية بعده ثلاثاً لا تطعم، ثم ماتت.
وحكي عن المبرد قال: خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون. فلما قربنا من الرَّقَّة، إذا نحن بدير كبير، فقال لي بعض أصحابي: مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد الله تعالى على ما رزقنا من السلامة، فدخلنا إلى الدير، فرأينا مجانين مغلغلين، وهم في نهاية القذارة، فإذا فيهم شابٌ عليه بقية من ثيابٍ ناعمةٍ، فلما بصر بنا قال: من أنتم يا فتيان؟ حياكم الله! فقلنا: نحن من العراق. فقال: بأبي العراق وأهلها! بالله أنشدوني أو أنشدكم! فقال المبرد: قلت: والله إن الشعر من هذا لظريف، فقلنا: أنشدنا، فأنشأ يقول:
الله يعلم أنَّني كمد لا أستطيع أبُثُّ ما أجدُ!
روحان لي: روحٌ تضمنها بلدٌ وأخرى حازها بلدُ!
وأرى المقيمة ليس ينفعها صبر ولا يقوى لها جلدُ.
وأظنُّ غائبتي كشاهدتي فكأنها تجد الذي أجدُ!
قال المبرد: بالله زدنا، فأنشأ يقول:
لما أناخوا قُبيل الصُّبح عيرهم ورحَّلوها فثارت بالهوى الإبلُ،
وقلَّبت من خلال السَّجف ناظرها ترنو إليّ ودمع العين منهمل،
وودَّعت ببنانٍ عقدها عتمٌ، ناديت: لا حملت رجلاك يا جملُ!
ويلي من البين! ماذا حلَّ بي وبها من نازل البين؟ حان البين فارتحلوا!
يا راحل العيس، عرج كي نودِّعها! يا راحل العيس، في ترحالك الأجلُ؟
إنِّي على العهد لم أنقض مودَّتهم، يا ليت شعري! بعد العهد ما فعلوا؟
قال: فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا! قال: قال إذن فأموت! فقال له: إن شئت! فتمطى واستند إلى السارية التي كان مشدوداً فيها فمات. فما برحنا حتى دفناه.
وحكي عن أبي يحيى التيمي، قال: كنا نختلف إلى أبي مسعر بن كدام، وكان يختلف معنا من النُّساك، يقال له أبو الحسن، ومعه فتىً حسن الوجه يفتتن به الناس إذا رأوه. فأكثر الناس القول فيه وفي صحبته إياه. فمنعه أهله أن يصحبه وأن يكلمه. فذهل عقله حتى خيف عليه التلف. فلقيته فأخبرته بذلك، فتنفس الصعداء، ثم أنشأ يقول:
يا من بدائع حسن صورته تثني إليه أعنَّة الحدقِ!
لي منك ما للناس كُلِّهمِ: نظرٌ وتسليمٌ على الطُّرقِ.
لكنهم سعدوا بأمنهم وشقيت حين أراك بالفرقِ!
ثم صرخ صرخة وشخص بصره نحو السماء وسقط إلى الأرض. فحركته فإذا هو ميت. وروى ابن الجوزيّ قال: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطيّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميديّ قال: حدّثني أبو محمد عليّ بن أحمد الفقيه الحافظ قال: حدّثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجيّ الأديب، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة، أيام الحداثة. وكان معنا أسلم بن سعيد قاضي قضاة الأندلس. قال محمد بن الحسن: وكان من أجمل من رأته العيون. وكان معنا عند ابن خطاب أحمد بن كليب. وكان من أهل الأدب والشعر فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متستراً بذلك، إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وأنشدت في المحافل.
فلعهدي بعرس في بعض الشوارع والبكوري الزامر في وسط المحفل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم:
أسلمني في هوا ه أسلم، هذا الرَّشا!
غزال له مقلةٌ يصيب بها من يشا!
وشى بيننا حاسدٌ سيسأل عمَّا وشى!
ولو شاء أن يرتشي على الوصل روحي، ارتشى!
ومغنٍّ محسن يسايره. فلما بلغ هذا المبلغ، انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه. فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم نهاره كله. فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهاراً. فإذا صلى المغرب واختلط الظلام، خرج مستروحاً، وجلس على باب داره. فعيل صبر أحمد بن كليب. فتحيل في بعض الليالي ولبس جُبَّة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجاً وبالأخرى قفصاً فيه بيض، وجاء كأنه قدم من بعض الضِّياع، فتقدّم إلى أسلم وقبل يده، وقد اختلط الظلام، وقال: يا مولاي، من يقبض هذا؟ فقال له أسلم: من أنت؟ فقال: أجيرك في الضَّيعة الفلانية -وقد كان يعرف أسماء ضياعه. فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم. ثم جعل أسلم يسأله عن أحوال الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وإلى ها هنا تتبعني؟ أما
كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملةً، وعن القعود على بابي نهاراً حتى قطعت عليّ جميع مالي في ه راحةٌ فصرت في سجنك؟ والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي، ولا جلست بعدها على بابي، لا ليلاً ولا نهاراً، ثم قام. وانصرف أحمد بن كليب حزيناً كئيباً. قال محمد: واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب: وخسرت دجاجك وبيضك؟ فقال: هات كلِّ ليل قُبلةً في يده، وأخسر أضعاف ذلك! فلما يئس من رؤيته البتة، نهكته العلة وأضجعه المرض. قال محمد بن الحسن: فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال: فعُدته فوجدته بأسوأ حال. فقلت له: وما دواؤك؟ قال: نظرةٌ من أسلم! فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله جزاءك بذلك، وآجره. قال: فرحمته وتقطعت نفسي عليه، فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقَّاني بما يجب، فقلت: لي حاجةٌ، فقال: وما هي؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي.
فقال: نعم، ولكن قد تعلم أنه برّح بي، وشهَّر اسمي وآذاني. فقلت له: كل ذلك يُغتفر في مثل هذه الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته. فقال لي: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفني هذا! فقلت: لا بدَّ من ذلك فليس عليك فيه شيء، وإنما هي عيادة مريض.قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت له: فقم الآن، قال: لست والله أفعل، ولكن غداً، فقلت له: ولا خلف، قال: نعم. فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده فسُرَّ بذلك وارتاحت نفسه. فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم، وقلت له: الوعد، قال: فوجم، وقال: والله لقد تحملني على خُطَّة صعبة عليّ، وما أدري كيف أطيق ذلك؟ فقلت له: لا بدّ أن تفي بوعدك لي، قال: فأخذ رداءه ونهض معي راجلاً، فلما أتينا منزل أحمد، وكان يسكن في درب طويل. فعند ما توسَّط الزقاق وقف واحمرّ وخجل، وقال: يا سيدي، الساعة والله أموت! وما أستطيع أن أعرض هذا على نفسي! فقلت: لا تفعل بعد أن
بلغت المنزل، قال: لا سبيل والله إلى ذلك البتَّة! ورجع هارباً فاتَّبعته وأخذت بردائه، فتمادى وتمزق الرداء وبقيت قطعة منه في يدي لشدّة إمساكي له. ومضى ولم أدركه. فرجعت ودخلت على أحمد، وكان غلامه قد دخل عليه لما رآنا من أوّل الزقاق مبشِّراً. فلما رآني تغير وجهه وقال: أين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع. فاستبشعت الحال وجعلت أتوجَّع وقمت، فثاب إليه ذهنه، وقال لي: يا أبا عبد الله، قلت: نعم، قال: اسمع مني، واحفظ عني، وأنشأ يقول:
أسلم، يا راحة العليل رفقاً على الهائم النَّحيل!
وصلك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليلِ!
قال: فقلت له: اتق الله، ما هذه العظيمة؟ قال: قد كان، فخرجت عنه فو الله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا.
وهذه الحكاية مشهورة عند أهل الأندلس. وأسلم هذا من بني خالد وكانت فيهم وزارة وحجابة. وهذا الباب طويل والحكايات والأخبار والوقائع فيه كثيرة يطول الشرح بذكرها. وأما من قتل نفسه بسبب العشق، فحكي عن عبد الرحمن بن إسحاق القاضي قال: انحدرت من سُرَّ من رأى مع محمد بن إبراهيم أخي إسحاق، ودجلة تزخر من كثرة مائها. فلما سرنا ساعةً، قال: ارفقوا بنا، ثم دعا بطعامه فأكلنا، ثم قال: ما ترى في النبيذ؟ قلت
له: أعز الله الأمير، هذه دجلة قد جاءت بمدّ عظيم يرغب مثله، وبينك وبين منزلك مبيت ليلة، فلو شئت أخرته، قال: لا بدّ لي من الشراب، واندفعت مغنيةٌ فغنت، واندفعت أخرى فغنته:
يا رحمتاً للعاشقينا، ما إن لهم معينا!
كم يشتمون ويضربو ن ويهجرون، فيصبرونا!
فقالت لها المغنية الأولى: فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، ورفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة. وكان بين يدي محمد غلام ذكر أن شراءه ألف دينار، بيده مذبَّة، لم أر أحسن منه. فوضع المذبة من يده وقذف بنفسه في دجلة، وهو يقول:
أنت التي غرَّقتني بعد الفضا، لو تعلمينا!
فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما، فصاح بهم محمد: دعوهما يغرقا إلى لعنة الله! قال: فرأيتهما وقد خرجا معتنقين ثم غرقا.
وحكي عن جميل بن معمر العذريّ أن قال: دخلت على عبد الملك بن مراون فقال لي: يا جميل حدّثني بعض أحاديث بني عذرة، فإنه بلغني أنهم أصحاب أدب وغزل، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، انتجعوا من حيِّهم مرة فوجدوا النُّجعة بموضع نازح فقطنوه. فخرجت أريدهم. فبينما أنا أسير، غلطت الطريق وجنَّ عليّ الليل، فلاح لي باب فقصدته. فوردت على راعٍ في أصل جبل قد ألجأ غنمه إلى كهف في الجبل، فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، وقال: أحسبك قد ضللت الطريق؟ قلت: قد كان ذلك، فأرشدني! قال: بل انزل حتى تريح ظهرك، وتبيت ليلتك،فإذا أصبحت وقفتك على القصد. فنزلت فرحب بي وأكرمني، وعمد إلى شاة فذبحها، وأجّج ناراً، وجعل يشوي ويلقي بين يديّ، ويحدّثني في خلال ذلك.
ثم قام إلى كساء فقطع به جانب الخباء ومهد لي جانباً، ونزل جانباً خالياً. فلما كان في الليل سمعته يبكي ويشكو إلى شخص. فأرقت ليلتي. فلما أصبحت، طلبت الإذن فأبى، وقال: الضيافة ثلاث! فأقمت عنده، وسألته عن اسمه ونسبه وحاله، فانتسب لي. فإذا هو من بني عذرة، من أشرافهم. فقلت: يا هذا، وما الذي أحلَّك هذا الموضع؟ فأخبرني أنه كان يهوى ابنة عمّ له وتهواه، وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها لقلة ذات يده، وأنه
زوجها رجلاً من بني كلاب فخرج بها عن الحيّ وأسكنها في موضعه ذلك، وأنه تنكر ورضي أن يكون راعياً لتأتيه ويراها. وجعل يشكو إليّ صبابته بها وعشقه لها. فلما أبطأت عن الوقت المعتاد وغلبه الشوق، وثب قائماً وأنشأ يقول:
ما بال ميَّة لا تأتي لعادتها! أهاجها طربٌ أم صدَّها شُغُلُ؟
لكنّ قلبي لا يلهيه غيرهم حتى الممات، ولا لي غيرهم أملُ!
لو تعلمين الَّذي بي من فراقكم لما اعتللت ولا طابت لك العللُ!
روحي فداؤك! قد هيَّجت لي سقماً تكاد من حرِّه الأعضاء تنفصلُ!
لو أن عاديَّه منِّي على جبلٍ، لزال وانهدّ من أركانه الجبلُ!
ثم قال: يا أخا بني عذرة، مكانك حتى أعود إليك! فما أتوهم أن أمر ابنة عمِّي صحيح! ثم مضى. فما لبث أن أقبل وعلى يده شيء محمول، وقد علا شهيقه ونحيبه، فقال: يا أخا بني عذرة، هذه ابنة عمي، أرادت أن تأتيني فاعترضها الأسد فأكلها! ثم وضعها عن يده، وقال: على رسلك حتى أعود إليك، ومضى فأبطأ حتى يئست من
رجوعه. ثم أقبل ورأس الأسد على يده، فألقاها وجعل ينكت على أسنان الأسد ويقول:
ألا أيُّها الليث المخيل بنفسه! هلكت! لقد حرَّت يداك لنا حُرتا!
وغادرتني فرداً وقد كنت آلفاً وصيَّرت بطن الأرض ثم لنا سجنا!
أقول لدهرٍ خانني بفراقه: معاذ إلهي أن أكون له خدنا!
ثم قال: يا أخا بني عذرة، إنك ستراني بين يديك ميتاً! فإذا متُّ فاعمد إليّ وابنة عمِّي، فأدرجنا في كفن واحد، واحفر لنا جدثاً واحداً، وادفنا فيه، واكتب على قبري هذين البيتين:
كنا على ظهرها، والعيش في مهلٍ! والشمل يجمعنا والدار والوطن
ففرق الدهر والتصريف ألفتنا فصار يجمعنا في بطنها الكفن.
وردَّ الغنم إلى صاحبها وأعلمه بقصتنا، ثم عمد إلى خناق فطرحه في عنقه، فناشدته الله تعالى أن لا يفعل، فأبى وجعل يخنق نفسه حتى سقط ميتاً. فكفنتهما ودفنتهما في قبر واحد، وكتبت البيتين على قبرهما، ورددت الغنم إلى صاحبها، وأعلمته بقصتهما فحزن حزناً شديداً أشفقت منه على نفسه.

منقوول للفائدة .
AlexaLaw

الموضوع الأصلي : حكايات في ذم العشق والحب الكاتب : AlexaLaw المصدر : منتديات عالم القانون
التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
المناجي
عضو فعال

عضو فعال

الجنس : ذكر

تاريخ التسجيل : 23/01/2012

عدد المساهمات : 103

نقاط : 1999

%إحترامك للقوانين 100



مُساهمةموضوع: رد: حكايات في ذم العشق والحب   25/1/2012, 19:44

خيارات المساهمة






شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

التوقيع
توقيع العضو : المناجي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

حكايات في ذم العشق والحب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

      هام جداً: قوانين المساهمة في المواضيع. انقر هنا للمعاينة     
odessarab الكلمات الدلالية
odessarab رابط الموضوع
AlexaLaw bbcode BBCode
odessarab HTML HTML كود الموضوع
صلاحيات هذا المنتدى:

لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عالم القانون :: منتدى AlexaLaw الإسلامي العام :: القسم الإسلامي العام-
انتقل الى:  
الإسلامي العام | عالم القانون | عالم الكتاب و الثقافة العامه | التجاره و المال و الأعمال | البرامج و تكنولوجيا المعلومات | تطوير المواقع و المدونات | الترفيهي و الإداري العام

Powered by AlexaLaw.com ® Phpbb Version 2
Copyright © 2010
.:: جميع الحقوق محفوظه لمنتدى عالم القانون © ::.

.::جميع ما ينشر في المنتدى لا يعبر بالضرورة عن رأي القائمين عليه و إنما يعبر عن وجهة نظر كاتبه في حدود الديمقراطيه و حرية الرأي في التعبير ::.