عالم القانون
سيد الاستغفار

عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللَّه عنْهُ عن النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قالَ : « سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي ، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ . منْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا ، فَمـاتَ مِنْ يوْمِهِ قَبْل أَنْ يُمْسِيَ ، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ ، ومَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وهُو مُوقِنٌ بها فَمَاتَ قَبل أَنْ يُصْبِح ، فهُو مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ » رواه البخاري .


كشفت أنظمة المنتدى أنك غير مسجل لدينا فأهلا وسهلا بك معنا و تفضل بتصفح المنتدى و إن شاء الله ينال إعجابك و لا تحرمنا حينها من تسجيلك معنا و مشاركاتك و إفادتنا بخبرتك .



عالم القانون

العدل أساس الملك - Justice is the basis
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
TvQuran
AlexaLaw
AlexaLaw on facebook




آخر المواضيع
الموضوع
تاريخ ارسال المشاركة
بواسطة
أمس في 2:28 pm
أمس في 10:08 am
أمس في 8:27 am
الثلاثاء أكتوبر 21, 2014 10:36 am
الإثنين أكتوبر 20, 2014 3:50 pm
الإثنين أكتوبر 20, 2014 12:46 pm
الإثنين أكتوبر 20, 2014 12:38 pm
الإثنين أكتوبر 20, 2014 12:32 pm
الإثنين أكتوبر 20, 2014 12:16 pm
الإثنين أكتوبر 20, 2014 12:06 pm
الإثنين أكتوبر 20, 2014 11:49 am
الإثنين أكتوبر 20, 2014 11:33 am
شاطر | 
 

 دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس: ذكر

تاريخ التسجيل: 03/03/2010

عدد المساهمات: 17167

نقاط: 12646430

%إحترامك للقوانين 100

العمر: 25

الأوسمه:




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان   السبت أكتوبر 08, 2011 7:55 pm

خيارات المساهمة


دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان

المقدمة:
كانت فكرة هذا البحث تلح على إلحاحاً عجيباً، منذ سنوات طويلة، بيد أني ترددت كثيراً في اقتحام هذه المنطقة ذات المكانة الخاصة والقداسة في وجدان كل دارس للقانون أو مشتغل به، وكل باحث وحالم بالديمقراطية، وكل داعية لحقوق الإنسان مؤمن بها، تحتل ذات المكانة لدى الجميع على حد سواء، إلا قليلاً (1).
وبعد أن حسمت ترددي وبدأت- بمساعدة كريمة من البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان- في تنفيذ البحث، فوجئت بسفر قيم، يحمل ذات العنوان الذي ارتضيته ألا وهو "دور المحكمة الدستورية العليا في حماية الحقوق والحريات" للأستاذ الدكتور/ فاروق عبد البر نائب رئيس مجلس الدولة، إصدار 2004، الأمر الذي أعادني لمنطقة التردد مجدداً، وحملني حملاً- بعد جهد جهيد بذلته- على التوقف والعودة إلى نقطة البداية، منطلقاً، وفي نهاية الأمر وإيماناً بدور المحكمة الدستورية العليا كأحد الدعامات الرئيسية وأعلاها هامة، وأوضحها بياناً، وأكثرها جرأة، في مجال حماية حقوق الإنسان في وطننا الحبيب، فقد رأينا أن ننحو بالبحث منحيً أخراً وجديداً، يتلاءم مع قناعاتنا، المنبثقة من علاقتنا بالقانون واشتغالنا به وهمومنا بحقوق الإنسان وانخراطنا في أنشطتها، ويشتمل في الأساس على الحقوق الواردة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر 1948 ومقارنتها بالحقوق النظيرة لها في الدستور المصري الدائم الصادر في الحادي عشر من سبتمبر 1971 ومقابلة هذا وذلك برؤية محكمتنا الدستورية العليا من خلال أحكامها المضيئة في شأن حقوق الإنسان المتعارف عليها عالمياً.
وفي الواقع فإن العنوان الذي اخترناه للبحث وهو "دور المحكمة الدستورية العليا في حماية حقوق الإنسان" يثير عدداً من المفترضات والمحددات الواجب تناولها في إطاره منها:
أولاً: تعريف الدستور ونشأته ومميزاته وعيوبه، وحيث أنه لولا وجود الدستور ما كانت هناك محكمة دستورية عليا.
ثانياً: يتوجب علينا والحال كذلك أن نبحث مسالة الرقابة على دستورية القوانين ونشأتها وفلسفتها وحدودها وأنواعها.
ثالثاً: المحكمة الدستورية العليا وأسباب نشأتها وتطورها وتشكيلها ومميزاتها وولاياتها مع المقارنة بالمحكمة التي أنشأت لذات الغرض، وخلفتها المحكمة الدستورية العليا.
رابعاً: لابد أن نبحث في مفهوم حقوق الإنسان وتطوره ونشأته ومدى الحماية التي تتوافر له دولياً والحماية التي تتوافر له محلياً، سواء كانت حماية قضائية أم تشريعية.
خامساً: نتناول الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في ضوء ما قررته المحكمة الدستورية العليا بشأنها والحماية التي أسبغتها عليها والنصوص التي ألغتها- عبر قضائها بعدم دستوريتها- لإقرار الحق والحرية محل البحث، واستعراض المبادئ التي أرستها في شأنها. وجدير بالذكر: أن المحكمة الدستورية العليا ذاتها وفي أحد أحكامها أكدت على انعدام الصفة الإلزامية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإن أكدت في الحكم ذاته على قيمته- أي الإعلان- الأدبية والمعنوية حال كونه إعلان مبادئ وقيم وتوصيات، ارتضته الأسرة الدولية ليكون صادراً عنها ومعبراً عن إرادتها، ورسالة من شعوبها، أملاً في الحرية وفي التمتع بالحقوق التي حرمت منها البشرية لقرون طويلة.
ومن المنطقي والحال كما أسلفنا: أن يثور تساؤل جدي حول اختيارنا لهذا الإعلان لبحث الحقوق الواردة فيه من خلال أحكام وقضاء الدستورية العليا؟ ولماذا لمن نتخير إحدى الاتفاقيات الملزمة التي صدقت عليها مصر، ونشرتها في الجريدة الرسمية، ومن ثم أصبحت وفقاً لنص المادة 151 من الدستور المصري بمثابة تشريع داخلي يتعين الالتزام به، مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
وتأتي الإجابة بسيطة، سلسلة، سلاسة الحقوق الواردة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فالإعلان الصادر عام 1948 يعد الأول من نوعه الذي تكاد تتفق عليه الجماعة الإنسانية- الأسرة الدولية- وذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما ألحقته بالعالم من دمار وما سببته من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
ومن ثم فهو إعلان يتمتع بالصفة العالمية والدولية، وما سبقه مجرد تجارب محلية، لم يكن بها ما يضمن تمتع المواطنين بما ورد فيها من تنازلات ملكية أو حقوق وحريات منحها الانتصار الثوري على قوى القهر والطغيان مثل: الماجنا كارتا وإعلان الحقوق في إنجلترا، إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وإعلان الثورة الفرنسية وغيرها.. هذه ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الإعلان هو الأب الروحي والشرعي لجميع الاتفاقيات الدولية والمعنية بحقوق الإنسان- ذات الطبيعة الإلزامية- والتي صدرت فيما بعد عن الجمعية العامة للأمم المتحدة مثل العهدين الدوليين الصادرين عنها عام 1966 وأولهما خاص بالحقوق المدنية والسياسية، وثانيهما خاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل وغيرها... حيث اتخذت هذه الاتفاقيات من بعض نصوص الإعلان قاعدة انطلقت من خلالها تفصيلاً وتنظيماً وتحديداً للحقوق الواردة بها.
ومن ناحية ثالثة فالإعلان نفسه لحظة صدوره كان من المتوقع أن يصدر في شكل اتفاقية دولية ملزمة تتضمن الحقوق المدنية والسياسية غير أن معارضة شديدة واجهت هذا الاقتراح وآرتأت أن يبقى الإعلان مجرد إعلان ويضم بجانب الحقوق المذكورة، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ومن ثم فقد تم الاتفاق على إعداد وثيقتين، أولهما في شكل إعلان يحدد المبادئ والمعايير العامة لحقوق الإنسان، والثانية تتخذ شكل اتفاقية تتضمن حقوقاً محددة (2) والتي تحولت بدورها إلى العهدين الدوليين.
وأخيراً فإن الإعلان العالمي يعد بمثابة الأصل التي نقلت عنه كثير من الدساتير والتشريعات الوطنية بعض من الحقوق الواردة به! ومن بينها الدستور المصري في بابيه الخاصين بالحقوق والحريات وسيادة القانون وبعد فهذا جهد المقل، أرجو أن يتيسر لي من الوقت والإطلاع ما يمكنني من تناول الموضوع بشكل أكثر شمولاً وأدق تحليلاً بما يتلاءم مع قيمة وأهمية المحكمة الدستورية العليا وبحقوق الإنسان جميعاً.
كما ولابد أن أتوجه بالشكر للبرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان الذي تبنى هذه الفكرة، وقدم لي كثيراً من العون والمراجع والأحكام..

والله ولي التوفيق..
المؤلف
ح القبة: 15/8/2004
الباب الأول
الفصل الأول
التنظيم الدستوري

يعتبر مصطلح الدستور، إذا قيس من حيث الزمن، مصطلح حديث، في عالم الفكر القانوني، حيث استخدم للمرة الأولى مرتبطاً بالحركات الثورية التحررية التي قامت في الولايات المتحدة الأمريكية بهدف الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية، حيث أن الولايات التي نجحت ثورتها واستطاعت الحصول على استقلالها أصدرت دساتيراً لها بدءً من عام 1776، وهي دساتير "مدونة" تنظم شكل الحكم وسلطاته المختلفة والعلاقة بين هذه السلطات فيما بينها من ناحية، وبينها وبين الشعب من ناحية ثانية، وإقرار الحقوق والحريات الفردية والجماعية من ناحية ثالثة.
وكانت هذه الدساتير متفرقة، تفرق الولايات، لكل ولاية انتصرت ثورتها دستور مستقل يعبر عن توجهاتها وفلسفة القوى الصاعدة فيها، ومع الرغبة في إنشاء اتحاد بين هذه الولايات وتحققها تحت مسمى "الولايات المتحدة الأمريكية" في أعقاب الحرب الأهلية، تم إصدار دستور اتحادي عام 1787 وهو أول دستور مكتوب في العالم وإن لم تكن الحقوق والحريات فيه مكتملة النمو والأركان ومن ثم فقد صدر أول تعديل لهذا الدستور في ديسمبر 1791 بإقرار حق المواطنين في الاجتماع والتجمع السلمي (3).
وفي ذات العام قامت الثورة الفرنسية بإصدار دستورها المكتوب عام 1791 بعد قيامها بعامين وعلى اعتبار- فرنسا- في ذلك الوقت- إحدى الدول ذات الأنشطة الاستعمارية والتوسعية، فقد حملت جيوشها المنتشرة في كل مكان، الثقافة الجديدة والأفكار التي أنتجتها ثورتها أو تلك التي أعادت صياغتها من جديد ومن بينها الدستور المكتوب الداعم لفلسفة الحرية وحقوق الإنسان، فظهر إلى الوجود دستور بلجيكا عام 1841 ثم الدستور الإيطالي عام 1848 (4)، وليس بعيد عن ذلك من حيث الفكرة والمبدأ وإن اختلفت الأسباب مشروع إصدار الدستور عام 1879 في مصر فصدور دستور 1882 فلائحة النظام الأساسي عام 1913 ثم أول دستور متكامل عام 1923 الذي يعد انتصاراً للثورة الشعبية المصرية في مواجهة سلطات كلاً من الاحتلال، والملك.
ومن ثم فقد أرتبط المفهوم الناشئ والوليد في علم القانون "الدستور" ارتباطاً لا يقبل التجزئة بفكرة الحرية ذاتها، فالحرية التي قامت الثورات من أجلها أنتجت الدستور الذي يقرها ويبين حدودها في الممارسة في مقابل سلطات الدولة، فالدستور تعبير دقيق عن رغبة الشعوب المقهورة في التمتع بحقوقها وحرياتها في مواجهة السلطات الحاكمة، وعزماً أكيداً على عدم العودة إلى عصور الظلم ثانية، خاصة وأنها عانت الكثير في ظل احتلال غاشم أو حكم فردي ديكتاتوري.
وعلى هذا ينقسم الفصل الأول من بحثنا إلى خمسة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: مفهوم الدستور.
المبحث الثاني: أنواع الدساتير.
المبحث الثالث: سمو قواعد الدستور.
المبحث الرابع: الدستور المصري.
المبحث الخامس: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

المبحث الأول
مفهوم الدستور

إن لفظة "دستور" لفظة غير عربية،فهي كلمة فارسية الأصل تعني: الأساس أو القاعدة ودخلت إلى اللغة العربية بذات المعنى، ومن ثم نجد بعض من الدول العربية تطلق على دستورها مسمى: النظام الأساسي أو القانون الأساسي تأثراً بمعنى ومرادف كلمة الدستور، ونعتقد أن أول ظهور لكلمة دستور في اللغة العربية بمعناها الاصطلاحي في علم القانون، كان في سنة 1923 في المملكة المصرية مع إصدار دستور 1923 ومن ثم فمنذ هذا التاريخ حلت هذه الكلمة محل المصطلحات السابقة مثل: القانون النظامي والقانون الأساسي.
وذات الأمر والمعنى ينطبق على اللغات الأوربية، فكلمة دستور مشتقة من الفعل اللاتيني “Constito”بمعنى يؤسس، فنجدها في الإنجليزية والفرنسية Constitution مع اختلال النطق بمعنى القاعدة أو الأساس.
وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة الدستور، أما المعنى الاصطلاحي، فقد أثار فقهاء القانون العام عاصفة من الخلافات حول تعريف الدستور ما بين التعريف الشكلي والتعريف الموضوعي والتعريف السياسي وإن كانت الغالبية قد استقرت على تعريف الدستور وفقاً للمعيار الموضوعي والذي يعني: مجموعة القواعد القانونية التي تنظم مسائل ذات طبيعة دستورية.. فإن هذه الغالبية قد اختلفت حول ماهية المسائل ذات الطبيعة الدستورية وقد عرفها الأستاذ الدكتور عبد الحميد بدوي بأنها: تلك القواعد المتعلقة بنظام الحكم في الدولة وهي المسائل الجوهرية أو الأساسية التي يهدف النظام إلى تقريرها حين يضع دستوراً جديداً للدولة.
ويعرف الدكتور رمزي طه الشاعر الدستور بقوله(5): مجموعة القواعد القانونية الخاصة بنظام الحكم في الدولة (الحكومة) من الناحية السياسية، والتي تنظم التعايش السلمي بين السلطة والحرية.
ويعرفه أستاذنا الدكتور ربيع فتح الباب(6) بقوله: بأنه مجموعة القواعد الأساسية في الدولة المعاصرة، فهو يبين شكل الدولة، ونظام الحكم فيها، وتنظيم السلطات العامة من حيث تكوينها واختصاصاتها وعلاقاتها بعضها ببعض، وبالأفراد والمواطنين، ويقرر حقوق الإنسان وحرياته، ويضع الضمانات الأساسية لحمايتها ويكفل استعمالها وعدم التعدي عليها. كما يعرفه الأستاذ الدكتور الشافعي أبو راس(7) بأنه: مجموعة القواعد القانونية التي على أساسها تقوم السلطة وتعمل وتنتقل.
وإذا قلنا أن أي قانون- حتى ولو كان دستوراً- يأتي معبراً عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة وقت إصداره، فهو كذلك يعبر عن موازين القوى في ذلك الوقت واتفاقها على حد أدنى من القناعات المشتركة أو المصالح التي ستصب فيما بعد هنا أو هناك ومن ثم يمكننا تعريف الدستور في ضوء هذا وفي سياق ظهور الدساتير في أعقاب الثورات الكبرى بأنه:
مجموعة القواعد القانونية الأساسية التي تؤسس لقيام دولة وتقسيم سلطاتها وتنظيمها وعلاقاتها كما تحتوي على هدف أساسي وهو حماية حقوق وحريات المواطنين بالقدر الذي تسمح به توازنات القوى وقت الاتفاق على الوثيقة الدستورية.
ويسهب أستاذنا الدكتور يحيى الجمل في تعريف الدستور(Cool فيقول:
والدستور يتعلق بتنظيم الدولة باعتبارها مؤسسة المؤسسات السياسية أو المؤسسة الأم لكل المؤسسات داخلها، وهو- أي الدستور- بهذا المعنى يتعلق بتنظيم السلطات العامة في الدولة من حيث كيفية تكوينها واختصاصاتها وكيفية مباشرتها لهذه الاختصاصات وحدودها وضوابطها، كذلك علاقة سلطات الدولة ببعضها وعلاقتها بالمواطنين، كما ولابد أن يعني للدستور بحقوق المواطنين في مواجهة السلطات العامة وكيفية حماية هذه الحقوق.
وإذ كنا قد قدمنا تعريفات متعددة للدستور وفقاً للمعيار الموضوعي، فجميعها مع اختلاف في الصياغة تكاد تقترب من بعضها البعض ولا تشكل الخلافات عائقاً أمام التوفيق بينها جميعاً ويهمنا قبل أن نفرغ أن نعرض لتعريف الدستور وفقاً للمعيار الشكلي حيث أن موضوع الدراسة يرتبط به ارتباطاً وثيقاً.
يقتصر تعريف الدستور أو القانون الدستوري وفقاً للمعيار الشكلي، على: تلك القواعد والنصوص الموجودة في الوثيقة الدستورية والتي توضع أو تعدل طبقاً لإجراءات خاصة، تختلف عن الإجراءات والخطوات التي تتخذ في وضع القوانين العادية (9).
وطبقاً لهذا المعيار فالدستور هو: مجموعة القواعد الثابتة في الوثيقة الدستورية التي يجري تطبيقها في بلد معين وفي زمن معين.
ومن ثم فإن الدستور محدود بهذه النصوص لا يتعداها، أو بمعنى آخر فإن القواعد الدستورية لا توجد إلا في الوثيقة المسماة بالدستور ولا تخرج عنها أبداً.
وقد انتشر تعريف الدستور وفقاً للمعيار الشكلي نظراً لانتشار حركة تدوين الدساتير والتي حتمتها ظروف معينة ارتبطت بشكل كبير بالحركات التحررية والثورية، وفي هذا الموضوع يقول أستاذنا الدكتور رمزي طه الشاعر(10) ولقد كانت الفترة اللاحقة على صدور الدستور الفرنسي عام 1789 فترة غنية بالحركات والثورات ولقد ساهمت الثورة الصناعية في تغيير الخريطة الاجتماعية في معظم المجتمعات التقليدية، ومع قيام الثورات والحركات العنيفة لم يكن أمام السلطات العليا- حفاظاً على التماسك- إلا أن تصدر دساتير مكتوبة، وكانت تلك الثورات والحركات التحررية والانفصالية من الكثرة والانتشار بحيث يمكن القول أنها شكلت اتجاهاً عالمياً كانت له السيادة! الأمر الذي ساعد وبلا شك على انتشار تعريف القانون الدستوري بالمعيار الشكلي.

عيوب المعيار الشكلي:
مما لا شك فيه أن الأخذ بالمعيار الشكلي في تعريف القانون الدستوري يحصر القواعد الدستورية أو تلك ذات الطابع الدستوري في نطاق ضيق للغاية محدود بأحكام ونصـوص القواعد القانونية الموجودة في الوثيقة الدستورية، ويقول الدكتور الشافعي أبو راس(11):
وأول ما يعاب على التعريف بالمعيار الشكلي أنه يحد مجال أعماله في الدساتير المكتوبة، فإنه يترتب على اعتناقه إنكار وجود قانون دستوري في بلاد الدساتير غير المدونة، وهو أمر يجافي الواقع، ولا يتفق مع المستقر في الفقه الدستوري من وجود دساتير عرفية، مثل دستور المملكة المتحدة مثلاً، وهكذا يكون المعيار غير جامع بسبب خروج الدساتير العرفية من دائرته.
كما أن المعيار لا يعد جامعاً مانعاً كذلك من زاوية أخرى، فهو- أي القانون الدستوري- بهذا المعيار: مجموعة القواعد الثابتة في وثيقة الدستور، ومفاد ذلك أنه لا يدخل في مضمون الدستور أية قواعد تنظم أموراً تعد بطبيعتها دستورية، ما لم تكن مدونة في وثيقة الدستور، وذلك أمر يتنافى مع ما هو ثابت بالاستقراء، من وجود قواعد دستورية، في قوانين عادية، تقع خارج تلك الوثيقة.
فهناك قواعد قانونية لا شبهة في أنها قواعد أساسية تتصل بالتنظيم السياسي للسلطات العامة ومع ذلك ترد هذه القواعد في قوانين عادية مثل: القوانين المتعلقة بمباشرة الحقوق السياسية وقوانين تنظيم مجلس الشعب وقانون تنظيم الأحزاب السياسية وقوانين السلطة القضائية وبالأخص قانون المحكمة الدستورية العليا. هذه القواعد جميعها من صميم الموضوعات الدستورية حتى وإن لم ترد في الوثيقة الدستورية ومن ثم يتوجب دراستها عندما ندرس القانون الدستوري رغم خروجها عنه في الأخذ بالمعيار الشكلي (12).
ومـن ناحية أخرى هناك نصوص ترد في الوثيقة الدستورية- ومن ثم تعتبر قاعدة دستورية بالمعنـى الشكلي للدستور- رغم كونها تتحدث عن موضوعات غير دستورية مثل: نص الدستـور الفرنسي على إلغاء عقوبة الإعدام، وكذلك التعديل الذي أدخلته الولايات المتحدة على دستورها عام 1920 بالنص على تجريم الخمر والعقاب على الاتجار فيها أو النص في بعض الدساتير على كون الأسرة هي أساس التنظيم الاجتماعي وغير ذلك، فهذه نصوص لا صلة لها بالمعنى الموضوعي للدستور- رغم ورودها في الوثيقة الدستورية(13).
وفي النهاية نرى أنه لا معنى لهذا الخلاف في الوقت الحالي بين أنصار المذهب الموضوعي وأنصار المذهب الشكلي حيث أن الدساتير المكتوبة تكاد تكون هي السمة ذات الأغلبية الكاسحة عالمياً- باستثناء بعض نصوص الدستور الإنجليزي- ومن ثم فقط حسم المشرع الدستوري أمره في اعتبار القانون الدستوري هو الأحكام المتواجدة في الوثيقة الدستورية، والقواعد الدستورية، والقواعد الدستورية التي لا توجد في هذه الوثيقة فهي- مع أهميتها- ارتأى المشرع أن يمنحها قدر من المرونة حتى يتسنى تعديلها بيسر إذا دعت الضرورة إلى ذلك.


المبحث الثاني
أنواع الدساتير

ربما تأخر تدوين الدساتير كثيراً في الظهور إلى ما بعد العديد من القوانين وذلك لأن قواعد الدستور تمثل دائماً قيد على حرية الحاكم، وهو أمر لا يرتضيه الحاكم- أي كان- عادة طواعية ولا في يسر أو بسهولة.
وكما لاحظنا في مسألة تعريف الدستور أن هناك دساتير عرفية أو بعضها عرفي مثل دستور المملكة المتحدة، وعرفي بمعنى أنه غير مدون أستمد من العرف والعرف القضائي، والعرف نفسه أنواع، فهناك عرف مكمل وهناك عرف مفسر.
وعلى الجانب الأخر تقف أغلبية الدساتير مدونة ومكتوبة ثابتة- ليست عصية على التعديل أو التبديل ولكن ذلك يتطلب عادة إجراءات صارمة واستثنائية حفظاً لنظام الدولة وكيانها واستقرارها.
إذن وبالنظر إلى مسألة تدوين الدستور فهناك نوعين منها:
1- الدساتير العرفية:
إن لفظ الدساتير العرفية يطلق على الدستور في أية دولة إذا توافر شرطان:
أولهما: أن يكون العرف هو المصدر الرئيسي للقواعد الدستورية، وثانيهما: أن تكون غالبية القواعد الدستورية قواعد عرفية. بمعنى إذا قلنا أن الدستور الإنجليزي دستور عرفي، فهذا لا يعني أنه غير مكتوب وغير مدون- فهو دستور معظمه مدون إلا قليلاً- وإنما يعني أنه دستور مصدره الرئيسي العرف وبدأت قواعده عبر العرف وفي الواقع فعلى امتداد العالم- في اللحظة الحالية- لا يوجد دستور عرف إلا في إنجلترا وإسرائيل).
ورغم عدم وجود وثيقة دستورية في إنجلترا إلا أن هناك العديد من القوانين الأساسية التي تنظم موضوعات دستورية.

2- الدساتير المكتوبة:
أما الدساتير المكتوبة أو المدونة فهي كل القواعد الدستورية المدونة في وثيقة صادرة عن سلطة لها ولاية إصدارها، بمعنى آخر وبمفهوم المخالفة للدساتير العرفية، فالدساتير المدونة هي الدساتير التي يكون التشريع هو مصدرها الرئيسي والرسمي، إذ يعني التشريع في هذه الحالة المصدر الرسمي لجميع القواعد القانونية.


والحاجة إلى دستور مكتوب تجد مردها في أربعة أشياء هي:
أولاً:نشوء دولة حديثة لم يكن لها وجود من قبل أو تكون حديثة الاستقلال أو منفصلة عن دولة أخرى، ففي هذه الحالة تحتاج إلى دستور مكتوب يؤكد وجودها ويرسم حدودها ويحدد نظمها وسياساتها وذلك مثل دستور الولايات المتحدة الأمريكية الصادر عام 1776.
ثانياً:قيام دولة على نظام حكم جديد يقطع تطور النظم السابقة للحكم مثل قيام الثورات بغية تأسيس النظام الجمهوري بديلاً عن نظيره الملكي بسبب استبداد النظام الأخير واحتكاره وذلك مثل دستور الثورة الفرنسية والإعلانات الدستورية لثورة يوليو 1952 في مصر.
ثالثاً:وإذا كانت الدولة يتكون سكانها من أجناس وقوميات متعددة ولغات مختلفة وعقائد متنوعة وأعداد غفيرة من البشر، فهي تحتاج إلى دستور مكتوب كضرورة ملحة لتحديد الروابط وتنظيم العلاقات وإيضاح الحقوق والحريات لضمان انسجام الشعب لصالح الدولة والعكس صحيح، ومثل هذه الحالة توافرت في الهند- ويوغوسلافيا (السابقة).
رابعاً:في حالة اتحاد عدة دول وتكوين دولة اتحادية توجد ضرورة لوجود دستور يحدد نظم الحكم الاتحادية وسلطة كل دولة مشاركة وحدودها وطرق انتخاب الحاكم وغير ذلك من الأمور الهامة لنمو الدولة الاتحادية والمحافظة على استقرارها واستمرارها، وتتوفر هذه الحالة في الاتحاد السوفياتي السابق- دولة الإمارات العربية المتحدة.

أما إذا نظرنا إلى القواعد الدستورية من حيث طرق تعديلها وتبديلها أو إلغائها فسنجد أننا أمام نوعين من الدساتير أيضاً:
1- الدساتير المرنة:
إذا أطلق مصطلح الدستور المرن فإنه يعني أن الدستور قابل لتعديل أحكامه عن طريق السلطة التشريعية بذات القواعد والإجراءات المتبعة التي تعدل بها القوانين والتشريعات العادية، بمعنى آخر فمرونة الدستور تعني أن إجراءات وطرق تعديله لا تختلف عن إجراءات تعديل القوانين والتشريعات العادية، فالمرونة تعني سهولة التعديل وبساطته والمثل النموذجي لهذا النوع من الدساتير هو الدستور الإنجليزي.
وهذا النوع من الدساتير لا يثير أية مشاكل فيما يتعلق بموضوع دستورية القوانين العادية وذلك بسبب سهولة تعديله، فهو دستور متجدد ومتطور بتطور الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في كل عصر.
2- الدساتير الجامدة:
المقصود بالدستور الجامد، أنه الدستور الذي لا يمكن تعديل أحكامه وقواعده إلا بإجراءات وطرق تختلف عن تلك التي يتطلبها تعديل أحكام القوانين العادية، والاختلاف هنا اختلاف في درجة الصعوبة والتعقيد وليس مجرد الاختلاف.
ولا يعني وصف الدستور بالجامد، ثباته واستعصاء قواعده ونصوصه على التعديل والإلغاء وإنما يعني اشتراط إجراءات معينة وأغلبية معينة (كبيرة) لتعديل نص فيه أو أحد أحكامه. والجمود بهذا المعنى يحقق للدستور سمواً شكلياً فوق مرتبة القوانين العادية.
وفي تعقيبه على ذلك يقول أستاذنا الدكتور يحيى الجمل (14): "والحقيقة أن الدساتير المرنة تمثل الوضع النادر، ذلك أن الغالبية العظمى من دساتير دول العالم هي الآن دساتير جامدة بمعنى أن تعديل نصوص هذه الدساتير تقتضي إجراءات خاصة ينص عليها الدستور نفسه وهي إجراءات تختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية وتمتاز عنها بالصعوبة والشدة.
وهذا أمر مفهوم، ذلك أن الدساتير يفترض فيها أن تكون أكثر ثباتاً واستقرار من القوانين العادية، حيث أن الدستور هو الذي يحدد أسس النظام السياسي والاقتصادي ويصنع الفلسفة الأساسية التي يقوم عليها النظام، حقاً لم يقل أحد أن أحكام الدستور يجب أن تظل خالدة دائمة، فلا شيء في الدنيا وفي عالم السياسة والنظم السياسية يمكن أن يظل خالداً أو دائماً، ولكن هذا شيء وسرعة التغيير وتلاحقه شيء آخر.ومن هنا يمكن أن نقول أن استقرار النظام السياسي- ولو لفترة معينة- يقتضي قدراً من الاستقرار والاستمرار في النظام الدستوري وهذا بدوره يستلزم نوعاً من الثبات في القواعد الدستورية".


المبحث الثالث
سمو قواعد الدستور

السمو يعني العلو، وسمو قواعد الدستور يعني علوها على باقي القواعد القانونية على تدرجها من تشريعات وقوانين ولوائح وقرارات إدارية، بمعنى آخر إذا انتظمت التشريعات في شكل هرمي فإن القواعد الدستورية تعتلي قمة هذا الهرم وتهيمن على كافة التشريعات والقواعد الأخرى التي يتكون منها هذا الهرم.
فالدستور كما أسلفنا هو الذي يحدد سلطات الدولة ويوزع اختصاصاتها ومن ثم فإن القواعد الدستورية تسمو بطبيعتها على مضمون القواعد القانونية الأخرى التي تصدر عن السلطات التي أنشأها الدستور.
وفي هذا تقول المحكمة الدستورية العليا في حكمها في القضية رقم 38 لسنة 11 قضائية: "وحيث أن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها ويصنع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفي عليه صفة السيادة والسمو بحسبانه كفيل الحريات وموئلها وعماد الحياة الدستورية وأساس نظامها! وحق لقواعده أن تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة وتتبوأ الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعها وقضائها وما تمارسه من سلطات تنفيذية؛ ودون أي تفرقه أو تمييز- في مجال الالتزام بها- بين السلطات العامة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ذلك أن هذه السلطات كلها سلطات مؤسسة أنشأها الدستور، تستمد منه وجودها وكيانها، وهو المرجع في تحديد وظائفها".
وسمو الدستور بالمعنى السابق هو "السمو الموضوعي" فالسمو مستمد من الموضوعات التي يتضمنها الدستور وكونه المؤسس لكافة سلطات الدولة على أن الدستور لا يستمد سموه من جوهر موضوعاته فقط، وإنما يستمد كذلك من طريقة وضعه، وطريقة تعديل أحكامه، ذلك أن الغالب أن الدستور يكون من وضع هيئة تختلف في تشكيلها وإجراءاتها عن الهيئة التشريعية العادية، كما أن تعديل أحكام الدستور تكون كذلك بإجراءات مغايرة تتسم بالصعوبة والتعقيد (15)، وهذا هو السمو الشكلي للدستور، السمو الذي يستمد من طريقة تعديل الدستور.
ومن الملاحظ أن السمو الموضوعي لقواعد الدستور يتوفر في كافة أنواع الدساتير مرنة أو جامدة، عرفية أو مدونة، فإذا كان الدستور البريطاني دستوراً مرناً وعرفياً- كما مر بنا- وللبرلمان هناك سلطة غير محدودة في تعديل القواعد الدستورية حتى أن فقيهاً إنجليزياً معاصراً- سيراينفور جنجز يقول بأن البرلمان الإنجليزي يستطيع أن يفعل كل شيء حتى بأن يجعل المرأة رجلاً والعكس صحيح، ومع ذلك فإن البرلمان يعجز عن حرمان الكاثوليك مثلاً من حق الانتخاب، أو أن يحرم إنشاء النقابات العامة ولا تفسير لذلك إلا في ضوء السمو الموضوعي للقواعد الدستورية (16).
أما السمو الشكلي لقواعد الدستور فهو سمو لا يتوفر إلا في الدساتير المدونة الجامدة التي يستلزم تعديلها إجراءات وأغلبية تختلف عن تلك المتطلبة في تعديل أحكام القوانين العادية وتتميز عنها في الصعوبة ودرجة التعقيد.
وتقول المحكمة الدستورية العليا (17): "وحيث أن سيادة الدستور بمعنى تصدره القواعد القانونية جميعها، ليس مناطها عناصر مادية قوامها مضمون الأحكام التي احتواها والتي تنظم بوجه خاص تبادل السلطة وتوزيعها والرقابة عليها، بما في ذلك العلائق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكيفية مباشرتهما لوظائفهما، ونطاق الحقوق التي يمارسها المواطنون، وكذلك الحريات التي يتمتعون بها، ذلك أن الدستور- محدداً بالمعنى السابق على ضوء القواعد التي انتظمها- هو الدستور منظوراً إليه من زاوية مادية بحتة، وهي زاوية لا شأن لها بعلو القواعد الدستورية وإخضاع غيرها من القواعد القانونية لمقتضاها، وإنما تكون السيادة للدستور، حين تهيمن قواعده على التنظيم القانوني في الدولة لتحتل ذراه، ولا يكون ذلك إلا إذا نظرنا إليه من زاوية شكلية لا تتقيد بمضمون القواعد التي فصلها، وإنما يكون الاعتبار الأول فيها عائداً أولاً إلى تدوينها وثانياً إلى صدورها عن الجهة التي انعقد لها زمام تأسيسها والتي تعلو بحكم موقعها من السلطتين التشريعية والتنفيذية- عليهما معاً، إذ هما من خلقها وينبثقان بالتالي عنها، يلتزمان دوماً بالقيود التي فرضتها، وبمراعاة أن القواعد التي صاغتها هذه الجهة- وأفرغتها في الوثيقة الدستورية- لا يجوز تعديلها أو إلغاؤها إلا وفق الأشكال والأنماط الإجرائية التي حددتها، بشرط أن تكون في مجموعها أكثر تعقيداً من تلك التي تنزل عليها السلطة التشريعية، إذا عن لها تعديل أو إلغاء القوانين التي أقرتها، ودون ذلك تفقد الوثيقة الدستورية أولوياتها التي تمنحها على الإطلاق الموقع الأسمى والتي لا تنفصم الشرعية الدستورية عنها في مختلف تطبيقاتها باعتبار أن التدرج في القواعد القانونية يعكس لزوماً ترتيباً تصاعدياً فيما بين الهيئات التي أقرتها أو أصدرتها".

المبحث الرابع
الدستور المصري

إذا كان القانون الدستوري هو القانون الأساسي للدولة والمنوط به تحديد شكل الدولة ونظام الحكم فيها وتقسيم السلطات وتحديد وظائفها وتقرير حقوق الأفراد وحرياتهم في مواجهة السلطات العامة، ومن ثم فإنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة التي يوجد فيها معبراً عن ظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية كما أنه يعبر عن توازن القوى المهيمنة والبارزة على الساحة في دولة ما وقت إقراره- أياً كانت طريقة وضعه أو الهيئة التي وضعته- فالدستور هو مرآه عاكسة لتوجهات النظام الحاكم وأيدلوجيات وطموحات القوى المتواجدة بجانبه.
ولعل التاريخ الدستوري المصري يوضح ذلك أيما توضيح، فكل مرحلة من مراحله تعبر عن الظروف السائدة والتي مرت بها مصر في ظل أجواء سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافة متقلبة ومتغيرة أشد التغير.

المطلب الأول
التطور التاريخي للنظام الدستوري (18)

عندما تولى محمد علي حكم مصر عام 1805 أرسى قواعد الدستور الفردي المطلق وتنكر للوعود التي قطعها على نفسه تجاه من قاموا بتأييده من طوائف الشعب، فقام بالقضاء على الزعامة الشعبية الدينية المتمثلة في رجال الأزهر حيث نفي السيد/ عمر مكرم وقضى على المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811 ومن ثم أنفرد بالسلطة وجمع في يديه كافة السلطات العامة، التنفيذية والتشريعية والقضائية وأصبح صورة مجسمة ومجسدة في الواقع لنظام الحكم المطلق.
واستمر الوضع كذلك في عهد خلفائه عباس الأول ومن بعده سعيد باشا وصدراً في عهد الخديوي إسماعيل. بيد أن الأمور سارت في غير الاتجاه الذي يشتهيه فمع السياسة الاقتصادية التي انتهجها والبذخ الشديد في الأنفاق والاتجاه صوب الاستدانة من الخارج فقد ساءت أحوال البلاد الاقتصادية وازدادت ديون البلاد مما أدى إلى التدخل الأجنبي في الشئون الداخلية عبر تعيين وزيرين أجنبيين في الحكومة المصرية إحداهما بريطاني والآخر فرنسي، الأمر الذي أدى إلى سخط الشعب وازدياد نشاط المعارضة، التي تكونت في غالبيتها ممن تعلموا وانتشرت بينهم المبادئ الديمقراطية التي سادت في أوروبا في أعقاب الثورة الفرنسية والمنقولة إليهم عبر البعثات العلمية المصرية إلى هناك، بجانب كتابات جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وبالتالي بدأت المعارضة الوطنية تطالب بضمانات دستورية ودستور، فتم إنشاء مجلس شورى النواب عام 1866 ووضع مشروع دستور عام 1879، حال دون صدوره خلع الخديوي إسماعيل وتعيين ابنه الخديوي توفيق بدلاً منه، ورغم محاولات توفيق القضاء على هذه الحركة الوطنية إلا أنها تصاعدت بمساعدة الجيش تحت زعامة عرابي باشا وتم إصدار دستور 1882.
ولم يكتب لهذا الدستور أن يعمر طويلاً ولا أن يستمر التطور الدستوري في نموه الطبيعي حيث تم احتلال البلاد في ذات العام والقضاء على الثورة الوطنية وإلغاء الدستور وإصدار القانون النظامي لعام 1883 الذي كرس للحكم الفردي المطلق؛ ولما لا وهو من وحي دولة احتلال وصدر بأوامرها.
ومع استمرار الكفاح وتواصل الحركة الوطنية بقيادات وزعامات جديدة اضطرت إنجلترا في سبيل تهدئة الحركة الوطنية إلى إصدار القانون النظامي لعام 1913 والذي تضمن إنشاء ما يعرف بالجمعية التشريعية التي برز من بين أعضائها الزعيم/ سعد زغلول، وكانت الجمعية التشريعية تتكون من 83 عضواً ينقسمون إلى ثلاث طوائف، طائفة منتخبة، طائفة معينة، وطائفة بحكم القانون، فالمنتخبون عددهم 66 عضواً، والمعينون عددهم 17 عضواً ممثلين على أساس الطائفة والمهنة والإقليم وهم طبقاً للمادة (3) من القانون النظامي: أربعة من الأقباط وثلاثة من العرب البدو وأثنين من التجار وأثنين من الأطباء وأثنين من رجال التربية والتعليم وواحد من المهندسين وواحد من المجالس البلدية، وأخيراً يعتبر عضواً في الجمعية كل من يتولى منصب الوزارة.
ومع قيام الثورة المصرية تحت زعامة/ سعد زغلول ثم الاعتراف باستقلال مصر طبقاً لتصريح 28 فبراير 1922 ثم صدور دستور 1923 طبقاً للمبادئ الديمقراطية السائدة في ذلك الوقت ومع التطبيق الفعلي لهذا الدستور فقد حدثت خلافات كثيرة بين الملك وبين بعض الوزارات مما أدى إلى صدامات كثيرة الأمر الذي أدى إلى إصدار أمر ملكي بإلغاء هذا الدستور وإصدار دستور 1930 الذي يقوي سلطة الملك ويوسع اختصاصاته على حساب السلطة التشريعية.
ومع قيام ثورة يوليو 1952، عمل قادتها على وضع القواعد الدستورية التي تلائم التغيرات الجديدة واللازمة لنظام الحكم الجديد فتم إصدار الإعلان الدستوري عام 1953 وتلاه صدور دستور 1956، ومع فكرة القومية العربية التي نص عليها هذا الدستور وقعت اتفاقية الوحدة مع الجمهورية السورية سنة 1958 الأمر الذي استلزم إصدار دستور جديد عام 1958 ليبين نظام الحكم في الدولة الجديدة، وبعد الانفصال بين الدولتين في مطلع الستينيات وإزاء الفراغ الدستوري الناشئ عن هذا الوضع صدر الإعلان الدستوري لعام 1962 بشأن التنظيم السياسي للسلطات العليا في الدولة ثم أصدر الدستور المؤقت لعام 1964 وأخيراً وفي الحادي عشر من سبتمبر 1971 صدر الدستور الدائم، المطبق حالياً.


المطلب الثاني
الدستور المصري الدائم

نتيجة لعدد من العوامل والظروف السياسية المحلية والدولية تأجل إصدار الدستور المصري الدائم الذي كان على وشك الانتهاء، بعد ما وضعت مسودته عن طريق لجنة مشكلة من بين أعضاء مجلس الأمة وذلك في مايو 1967، تنفيذاً لما ورد بديباجة الدستور المؤقت الصادر عام 1964، والتي نصت على كونه دستوراً مؤقتاً حتى يتم مجلس الأمة مهمته في موضوع الدستور الدائم للجمهورية، وحالت ظروف الحرب مع إسرائيل ودون إتمام هذا المشروع أو عرضه على الشعب للاستفتاء عليه.
وفي ضوء الظروف التي أحاطت بالبلاد وحالة الغليان التي شهدتها في أعقاب هزيمة يونيو 1967 فقد صدر بيان 30 مارس 1968 وتم طرحه للاستفتاء الشعبي في مايو من ذات العام، وتضمن البيان النص على ضرورة إتمام الدستور الدائم حتى يتم إصداره فور إنهاءه وإزالة كافة أثار العدوان ويتلو إصداره انتخابات على منصب رئيس الجمهورية.
وبعد وفاة الرئيس عبد الناصر، سارع الرئيس الجديد (السادات) وطلب من مجلس الأمة في 20 مايو 1971 أن يباشر مهمته في وضع الدستور الدائم، على أن يكون الدستور المزمع إصداره متضمناً ما يلي من الأحكام:
1- أن يكون الدستور مستمداً من تراثنا، وأن يؤكد الانتماء المصري إلى الأمة العربية.
2- أن ينص الدستور على حماية المكتسبات الاشتراكية وتدعيمها.
3- تأكيد الصلة الوثيقة بين الحرية الاجتماعية والحرية السياسية لأن الإنسان غير الآمن على رغيف الخبز لا تكن عنده حرية سياسية.
4- وجوب التأكيد على أن الشرعية الاشتراكية هي أساس كل العلاقات في المجتمع وفي الدولة، وأن الدولة تخضع للقانون كما يخضع الأفراد له.
5- يجب ألا يكون هناك قرار أو إجراء مهما كانت السلطة المصدرة له، بمنأى عن رقابة القضاء، وأن القانون يكفل الحق لكل فرد في اللجوء إلى القضاء.
6- ضرورة أن يكفل الدستور لمجلس الشعب جميع الضمانات بما فيها عدم حله خلال مدته الدستورية إلا في حالة الضرورة، ولا يحل في هذه الحالة إلا عبر استفتاء شعبي.
7- أن يؤكد الدستور على ارتباط السلطة بالمسئولية وأن تحدد المسئولية تحديداً واضحاً وصريحاً.
8- وجوب تحديد مدى زمني لتولي الوظائف السياسية والتنفيذية.
9- تأكيد دور القطاع العام، والقطاع التعاوني، وتوفير الضماناتالمناسبة للقطاع الخاص للمشاركة في إطار خطة الدولة، وضمان الحماية للقطاعات الثلاثة.

وتنفيذاً للطلب الرئاسي قام مجلس الأمة بتشكيل لجنة تحضيرية للقيام بهذه المهمة وقد ضمت اللجنة التي شكلها المجلس نحو 80 شخصية من بين أعضائه وذلك في جلسة 25 مايو 1971 وقد استعانت اللجنة بعدد كبير من رجال القانون والدين والفكر والشخصيات العامة لتنفيذ هذه المهمة.

وتم تقسيم اللجنة التحضيرية إلى أربع لجان أساسية هي:
اللجنة الأولى:وأنيط بها دراسة المقومات الأساسية للمجتمع والحريات العامة والفردية والأخلاق العامة التي يجب أن تسود المجتمع.
اللجنة الثانية:وتختص بدراسة نظام الحكم المناسب للحالة المصرية.
اللجنة الثالثة:وكلفت هذه اللجنة بدراسة نظام الإدارة المحلية والقوانين الأساسية.
أما اللجنة الرابعة:فيمكن اعتبارها لجنة جماهيرية، حيث كلفت بتلقي مقترحات الجماهير والقيام بتلخيصها وإيجازها ثم تبويبها وتوزيعها على اللجان السابق كل فيما يخص عمله.
وقد انقسمت اللجان الرئيسية السابقة إلى لجان فرعية(19)، حيث انقسمت اللجنة الأولى لخمس لجان فرعية تختص كل واحدة بنوع من المقومات الأساسية وهي: الاجتماعية والخلقية والسياسية والاقتصادية، أما اللجنة الخامسة فتختص بدارسة الحريات العامة.
وانقسمت اللجنة الثانية وهي لجنة نظام الحكم إلى ثمان لجان فرعية هي لجان: الاتحاد الاشتراكي، طبيعة نظام الحكم، مجلس الشعب، الرقابة الشعبية، رئيس الدولة ونوابه والوزراء، المجالس القومية المتخصصة، الهيئات الرقابية في الدولة، المنظمات الجماهيرية، القضاء، وكذا انقسمت اللجنتين الثالثة و الرابعة.
وبعد انتهاء اللجان الفرعية من أعمالها عقدت اللجان الرئيسية أربعة اجتماعات وضع خلالها المبادئ الأساسية لمشروع الدستور ثم قامت بعرضه على مجلس الأمة الذي وافق عليه فيما يشبه الإجماع بجلسة 22 يوليو 1971 (20).
وأخيـراً عرض المشروع على اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي فوافقت على الدستور بعـد تعديل أربعة من موارده هي المواد (41) الخاصة بالحريات الشخصية، والمادة (87) الخاصة بمجلس الشعب، والمادة (118) بشأن الحساب الختامي للدولة، والمادة (156) الخاصة باختصاصات مجلس الوزراء.
ومن ثم فقد تم عرض الدستور مع وثيقة إعلانه على الشعب للاستفتاء عليه يوم 11 سبتمبر 1971 وقد وافق الشعب عليه وبالتالي فقد أصدره رئيس الجمهورية وتم نشره بالجريدة الرسمية يوم 12 سبتمبر 1971.
وجماع ما تقدم، فإن الدستور المصري الدائم الصادر عام 1971 قد صدر وفقاً للأساليب الديمقراطية في وضع الدساتير ويتميز بأنه دستور مدون وجامد، حيث أن إجراءات تعديله تختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية وتستلزم شروطاً وأوضاعاً تتسم بالتعقيد والخصوصية وقد حددت هذه الأوضاع والشروط وكيفية التعديل المادة 189 من الدستور بقولها:
"لكل من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يذكر في طلب التعديل المواد المطلوب تعديلها والأسباب الداعية إلى هذا التعديل.
فإذا كان الطلب صادراً من مجلس الشعب وجب أن يكون موقعاً من ثلث أعضاء المجلس على الأقل.
وفي جميع الأحوال يناقش المجلس مبدأ التعديل ويصدر قراره في شأنه بأغلبية أعضائه فإذا رفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل مضي سنة على هذا الرفض.
وإذا وافق مجلس الشعب على مبدأ التعديل يناقش بعد شهرين من تاريخ هذه الموافقة المواد المطلوب تعديلها، فإذا وافق على التعديل ثلثي عدد أعضاء المجلس عرض على الشعب لاستفتائه في شأنه
فإذا ووفق على التعديل اعتبر نافذاً من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء".
وما يهمنا هنا في هذا الصدد أن الدستور الدائم صدر محتوياً على تنظيم متكامل للحقوق والحريات على مختلف أنواعها على النحو الآتي:
الفصل الأول والثاني من الباب الثاني تحت عنواني: المقومات الاجتماعية والخلقية، والمقومات الاقتصادية، واشتمل هذان الفصلان على معظم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
كما أشتمل الباب الثالث "الحريات والحقوق والواجبات العامة " والباب الرابع "سيادة القانون على الحقوق السياسية والمدنية".
بمعنى أخر فإن ثلث مواد الدستور البالغ عددها 211 مادة تتضمن أحكاماً خاصة بإقرار الحقوق والحريات العامة المتعارف عليها دولياً وعالمياً.
وختاماً لهذا المبحث ودون الدخول في أية جزئيات تحيد بنا عن المقصود والغاية من هذا البحث فإن الدستور- محل البحث- قرر ضمانيتين كافلتين لما ورد به من حقوق وحريات وهما: أولاً مبدأ المساواة الوارد بالمادة 41 من الدستور وثانياً مبدأ سيادة القانون (الوارد في الباب الرابع من الدستور) وهو باب حديث في الدساتير المصرية ويعني خضوع الجميع بما فيهم الدولة لحكم القانون بل واعتبرت سيادة القانون أساس الحكم في الدولة.

المبحث الخامس
حقوق الإنسان

ارتبط مفهوم حقوق الإنسان- تاريخياً- بحركات التحرر والمقاومة والثورات في أنحاء العالم كافة، مثله مثل حركة تدوين الدساتير، التي دونت في المقام الأول لتنظيم وإقرار حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في مقابل الاستعمار والاحتلال أو الحكم الفردي المطلق والديكتاتورية، ففي كل حركة تحرر أو مقاومة ووراء كل ثورة كان الظلم وإهدار الحقوق الأساسية، المحرك الرئيسي للشعوب لرفعه، وتحقيق العدالة وإقرار الكرامة لبني البشر.
وكما ارتبطت حركة تدوين الدساتير بالدستورين الأمريكي والفرنسي فكذلك ارتبط مفهوم حقوق الإنسان بإعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية 1776 وإعلان الثورة الفرنسية 1789 ودستور الولايات المتحدة السابق هو ذاته المطبق حتى اليوم مع التعديلات التي أدخلت عليه مع تغير الظروف السياسية والاقتصادية بتغير الزمان، وقد أدخل أول تعديل على هذا الدستور في عام 1791 لإدخال النص على حق الأفراد في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات وفي ذات العام صدر الدستور الفرنسي متضمناً العديد من الحقوق والحريات.
على أن حقوق الإنسان تلك المنظومة شبه المتكاملة من ناحية النصوص الدولية أو الإقليمية أو حتى المحلية المدمجة في الدساتير والوثائق الدستورية، كانت نتيجة كفاح ونضال طويلين استمرا طوال عمر البشرية ذاتها، ونتيجة لسلسلة من الحروب التي خلفت ورائها ملايين القتلى والجرحى والكثير جداً من الدمار والخراب، الأمر الذي حدا بالمجتمع الدولي إلى تأسيس عصبة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم هيئة الأمم المتحدة في إثر أعقاب الحرب العالمية الثانية.
مع ملاحظة أن عهد عصبة الأمم أنصرف إلى تنظيم العلاقات بين الدول على أساس من القول بأن تنظيم هذه العلاقات هو الحل الأمثل لتلافي حدوث أية حروب أخرى عقب الحرب العالمية الأولى ومع فشل هذا المفهوم وقيام الحرب العالمية الثانية فقد تبنى ميثاق الأمم المتحدة وأكد على العلاقة الوثيقة بين السلام والأمن الدوليين من ناحية والظروف الملائمة للرفاهية الاقتصادية والاجتماعية واحترام الإنسان وحرياته الأساسية من ناحية أخرى! فالفلسفة تغيرت إلى اعتبار حقوق الإنسان هي الأساس لتحقيق الأمن والسلم الدوليين وإقرار الحريات الأساسية وتجنب ويلات الحروب.
وبعد إنشاء هيئة الأمم المتحدة وإعلان ميثاقها المؤكد على قيم ومبادئ حقوق الإنسان صدر عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يعتبر درة التاج في هذا الموضوع وتتويجاً لجهود البشرية كلها في إقرار حقوقها وحرياتها والأصل الذي اشتقت منه جميع المواثيق الدولية والإقليمية الصادرة بعده، بل وامتد تأثيره إلى تكرار نصوصه وأحكامه في صلب مواد الكثير من الدساتير الوطنية لدول عديدة؛ وقد عرفت الأمم المتحدة حقوق الإنسان بقولها: هي الحقوق المتأصلة في طبيعتهن والتي بدونها يستحيل علينا أن نحيا كبشر(21)، أما الحرية فهي: أن يتصرف الفرد بلا قيود، وأن يختار بمحض إرادته، ما يتفق مع رغباته وأفكاره بشرط أن لا يمس ذلك بحرية غيره(22).

المطلب الأول: فكرة الإعلان واعتمادها:
كانت فكرة صياغة وثيقة بشأن حقوق الإنسان حقوق الإنسان قائمة ومحل نقاش أثناء إعداد مشروع ميثاق الأمم المتحدة، بما قدم من اقتراحات تهدف إلى إعداد وثيقة دولية تضم هذه الحقوق وإلحاقها بالميثاق واعتبارها جزء لا يتجزأ منه، بيد أ

التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس: ذكر

تاريخ التسجيل: 03/03/2010

عدد المساهمات: 17167

نقاط: 12646430

%إحترامك للقوانين 100

العمر: 25

الأوسمه:




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: رد: دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان   السبت أكتوبر 08, 2011 7:57 pm

خيارات المساهمة


المطلب الأول: فكرة الإعلان واعتمادها:
كانت فكرة صياغة وثيقة بشأن حقوق الإنسان حقوق الإنسان قائمة ومحل نقاش أثناء إعداد مشروع ميثاق الأمم المتحدة، بما قدم من اقتراحات تهدف إلى إعداد وثيقة دولية تضم هذه الحقوق وإلحاقها بالميثاق واعتبارها جزء لا يتجزأ منه، بيد أن الأمر كان يتطلب مزيداً من التفاصيل والدراسة فلم تتح الفرصة لإعدادها والتصديق عليها إبان اعتماد الميثاق في سان فرانسيسكو سنة 1945، وبناء على إلحاح الفكرة وأهميتها أوصت اللجنة التحضيرية للأمم المتحدة التي اجتمعت فور انتهاء الجلسة الختامية للمؤتمر سالف الذكر بأن ينشئ المجلس الاقتصادي والاجتماعي في دورته الأولى لجنة لتعزيز حقوق الإنسان، والتي أنشأت بالفعل في بداية عام 1946.
وقد بدأت لجنة حقوق الإنسان منذ دورتها الأولى في بحث مسألة وضع مشروع ميثاق دولي لحقوق الإنسان، فكان أن اختلفت الدول حول طبيعة هذا الميثاق من حيث مدى إلزامه من الناحية القانونية، ومقررات ونوعية الحقوق التي قد يتضمنها وطبيعة الإجراءات الدولية اللازمة لتطبيقه. حيث اقترحت الدول الغربية الرأسمالية أن يكون الميثاق المزمع وضعه وإصداره في شكل معاهدة دولية ملزمة تتضمن الحقوق المدنية والسياسية فحسب، وأن تنشئ أجهزة دولية ذات صلاحيات واسعة للإشراف على تطبيقه. إلا أن الدول الاشتراكية قد اتخذت موقفاً مغايراً وأبدت رغبتها أن تكون الوثيقة في شكل إعلان وليس معاهدة وأن يتضمن الإعلان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جنباً إلى جنب مع الحقوق المدنية والسياسية، مع اعتراضها على مسألة إنشاء أجهزة دولية مستقلة للإشراف على تطبيق حقوق الإنسان، ولعل السبب في ذلك الاختلاف يعود إلى أن الدول الاشتراكية كانت أقلية في الأمم المتحدة وبالتالي خشيت أن ينجح الغرب في فرض مفاهيم لحقوق الإنسان لا تتفق مع القيم الاشتراكية التي تؤمن بها وتعتنقها ومن ثم كان الإصرار على إدراج الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تتفق مع هذه النظرة(23).
ومع هذه الخلافات بين المعسكرين فقد قررت لجنة الصياغة إعداد وثيقتين، تأخذ أولهما شكل الإعلان وتتضمن تحديد المبادئ والمعايير العامة لحقوق الإنسان بشكل عام، أما الثانية فتأخذ شكل الاتفاقية وتتضمن حقوقاً محددة وكان أن تم صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإصداره من الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر 1948 وتأخر إصدار الوثيقة الثانية إلى العام 1966 مع تحولها إلى اتفاقيتين، نجح كل معسكر في إقرار واحدة منهما الأولى هي العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والثانية هي العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

المطلب الثاني: مضمون الإعلان والحقوق الواردة فيه:
كما أسلفنا يعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أهم المراجع الدولية في هذا الصدد وأبعدها أثراً فيما تلاه وأكثرها قيمة على اعتبار أنه نقل الفلسفة الخاصة بحقوق الإنسان من مجال النظريات والأمنيات والأحلام إلى واقع ملموس يعيشه المواطن الإنسان في أية دولة على وجه الأرض، فكان بحق حداً فاصلاً بين عهدين وعلامة مميزة على العهد الجديد، الذي يمكن وبحق أن نطلق عليه عهد حقوق الإنسان.
وإذا كان مفهوم الحق أسبق في الظهور من مفهوم القانون حيث يلازم الحق كصفة الإنسان أينما كان وأينما وجد، بل إن الحاجة إلى القانون تجد أساسها في ضمان حماية الحقوق وإقرارها وتنظيمها، فإن الإعلان العالمي. رغم الاختلاف حول قيمته القانونية ومدى إلزامه للدول الأعضاء- قد قرر معظم الحقوق والحريات مورداً لها قواعدها العمومية تاركاً لما تلاه مهمة التفصيل والتحديد؛ ومن ثم يمكن القول أن الإعلان وإن لم تكن له قوة ملزمة للدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة إلا أن الحقوق الواردة به تعتبر ملزمة لا يمكن التخلص منها أو التحايل عليها باعتبارها وردت فيما بعد في اتفاقيات ملزمة دخلت حيز النفاذ.
وعلى كل فإن الإعلان العالمي يتكون من ديباجة وثلاثون مادة تنقسم على النحو التالي:
أولاً: مبادئ عامة: وتضمنتها المواد من 1 : 3 من الإعلان.
ثانياً: الحقوق المدنية: وتضمنتها المواد من 4 : 18 من الإعلان.
ثالثاً: الحقوق السياسية: وتضمنتها المواد من 19 : 21 من الإعلان.
رابعاً:الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: وتضمنتها المواد من 22 : 27 من الإعلان.
خامساً: واجبات عامة: وتضمنتها المواد 28 : 30 من الإعلان.
أما تفصيل أحكام الإعلان فإن المادة الأولى تحدد الفلسفة التي يقوم عليها الإعلان العالمي وهي الحرية والمساواة في الكرامة والحقوق، وتحظر المادة الثانية التمييز أياً كان نوعه خاصة التمييز بسبب العنصر أو اللون أو ***** أو اللغة أو الدين أو الرأي.. وقررت المادة الثالثة لكل إنسان الحق في الحياة والحق في الحرية والأمان الشخصيين، والمواد من 4 – 21 فقد تناولت الحقوق المدنية والسياسية حيث حظرت الرق، والتعذيب والمعاملة المهينة والعقوبة القاسية، وكفلت الحق في التمتع بالشخصية القانونية، والحق في محاكمة عادلة، وحظر القبض والاعتقال والنفي التعسفي، وحظر سريان القوانين والعقوبات بأثر رجعي، وكفلت الحق في حماية الخصوصية وحماية الملكية الخاصة وضمان حرية الرأي والتعبير، والديانة، والاجتماع وتكوين الجمعيات، والحق في التنقل والإقامة، والحق في اللجوء السياسي والحق في الجنسية، والحق في الزواج وتكوين أسرة، والحق في المشاركة في الحكم والحق في تقلد المناصب العامة بالتساوي مع الآخرين.
والمواد من 22 – 27 نصت على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كالحق في الضمان الاجتماعي والحق في العمل والمساواة في الأجر والحق في الراحة والإجازات، والحق في مستوى معيشي كافٍِ وملائم والحق في التعليم والحق في المشاركة في الحياة الثقافية في المجتمع.




الفصل الثاني
الرقابة على دستورية القوانين

إن موضوع الرقابة على دستورية القوانين هو موضوع عظيم الشأن بحسبان أنه الوسيلة اللازمة لرد طغيان السلطة التشريعية وإرجاعها إلى حدودها الدستورية، ومن ثم فهو الوسيلة الأساسية لضمان نفاذ القاعدة الدستورية، وبغيره تغدو تلك القاعدة خلواً من جزاء موضوعي علىمخالفتها، ولهذا فإن الدول ذات الدساتير الجامدة ما فتئت تهتم بهذا الموضوع صوناً لدستورها ومحافظة على سموه(24).
وبمعنى آخر فلأن القواعد الدستورية تمثل المكانة العليا في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة، فهي تسمو على ما عداها من قوانين وإجراءات تتخذها السلطات العامة بما فيها السلطة التشريعية إذ هو- أي الدستور- الذي ينشؤها، ويحدد لها اختصاصاتها ويضع القيود وينظم الإجراءات التي تمارس بها هذه الاختصاصات، فإذا خالفت الهيئة التشريعية الدستور أو خرجت عن حدود الاختصاصات التي رسمها لها أو تحللت من القيود التي وضعها، تكون قد جاوزت سلطاتها ويبطل كل إجراء تتخذه في هذا الشأن(25).
ومن ثم فإننا نستطيع أن نقرر أن الرقابة على دستورية القوانين هي الضمانة الأساسية لسمو الدستور ويتطلب إعمال هذه الضمانة دستوراً مدوناً وجامداً بالمعنى الذي فصلناه كما أسلفنا، والجمود هنا هو الجمود النسبي الذي يضع في اعتباره تغير الظروف المحيطة بالدولة في وقت ما، فيتعين عليها تعديل دستورها وفي ذات الوقت فهو يحمي استقرار القواعد الدستورية.
وقد يثور تساؤل منطقي: لماذا الرقابة على دستورية القوانين؟
ونستطيع أن نؤكد أن السلطات تتخذ من القوانين وسيلة أساسية- في المجتمعات الإنسانية- لرسم وتنظيم ملامح الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومن ثم يتوجب أن تتفق هذه الوسيلة مع أحكام الدستور الذي أسس وأنشأ السلطات وحدد صلاحياتها وتخومها التي يجب ألا تتخطاها هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فالسلطة التنفيذية مسئولة أمام السلطة التشريعية والأخيرة تتعرض أعمالها- المتصلة بالتشريع للرقابة على مدى التزامها بأحكام الدستور.. فهي رقابة متبادلة في ضوء ما قررته الأحكام الدستورية العامة.
مع ملاحظة أن الرقابة على دستورية القوانين ليست نوعاً واحداً فهي أنواع كالتالي:



أولاً: الرقابة السابقة:
وتسمى أحياناً رقابة وقائية، ويفهم من أسمها أنها رقابة سابقة على صدور القانون وأنها تمنع إصدار قانون معيب دستورياً، وغالباً ما تتولى هذه المهمة هيئة سياسية، ومن ثم فإن الاسم الغالب على هذه الرقابة هي: الرقابة السياسية.

ثانياً: الرقابة اللاحقة:
وهذا النوع يبدأ بعد صدور القانون وسريانه ويقوم بمعالجة العوار الذي يلحق بالنظام القانوني من قوانين غير دستورية ومن ثم يطلق عليها رقابة علاجية ولما كان الغالب أن تعهد هذه الرقابة إلى هيئات قضائية فيطلق عليها الرقابة القضائية.
وبعد الحديث عن الرقابة الدستورية بأنواعها المختلفة والمتعددة يتعين علينا بحث الرقابة على دستورية القوانين في مصر، ومن ثم ينقسم هذا الفصل إلى: المباحث التالية:
المبحث الأول: أنواع الرقابة على دستورية القوانين.
المبحث الثاني: الرقابة على دستورية القوانين في مصر.
المبحث الثالث: الرقابة الدستورية المتخصصة.

المبحث الأول
أنواع الرقابة على دستورية القوانين

كما بينا سابقاً توجد رقابة سياسية ورقابة قضائية أو بمعنى آخر إذا نظرنا إلى زمن الرقابة فإنها تنقسم إلى رقابة سابقة ورقابة لاحقة.
وهذا هما نوعي الرقابة المقررين قانوناً في معظم دول العالم إلا أنه وفي بعض الظروف قد لا تحترم أحكام الدستور ولا تجدي أية وسائل رقابية في إعادة السلطات العامة إلى حدودها التي رسمها الدستور وفي هذا الفرض نجد أنفسنا أمام نوع ثالث من الرقابة يمكن أن نطلق عليها: الرقابة الشعبية وهي قد تستخدم وسائل سلمية مثل الرأي العام وضغطه في إطار قضية معينة لتحقيق هدف معين، ويعرف الدكتور أحمد سويلم الرأي العام بقوله: "الرأي العام هو الظاهرة الفكرية الناجمة عن الحشد الذهني للجماعات بحيث نجد فكرة معينة قد اختمرت في نفوسهم كجماعة(26)" والرأي العام وسيلة في المجتمعات الديمقراطية للرقابة على السلطات العامة ككل للحفاظ على الصالح العام. وأحياناً يلجأ الشعب إلى وسائل غير سلمية مثل مقاومة الطغيان والعصيان المدني والثورات وهي وسائل قد يختلف الفقهاء حولها هل هي وسائل قانونية أم سياسية ولكنها في كل الأحوال وسيلة شعبية لتحقيق ما تتوافق عليه الجماهير على أنه العدل والديمقراطية وحقوق الإنسان ولأن جميع الدساتير المدونة لم تعترف بهذه الرقابة فسنقصر على المعترف به من أنواع الرقابة.

المطلب الأول: الرقابة السياسية:
لقد كانت فرنسا هي مهد الرقابة السياسية على دستورية القوانين، حيث اعتنقت الثورة الفرنسية هذا النوع من الرقابة لتخوفها من أسلوب الرقابة القضائية ومن ثم نجد دستور فرنسا الصادر عام 1958 متبنياً ذات الاتجاه وأطلق على الهيئة التي تتشكل لتقوم بهذه المهمة مسمى "المجلس الدستوري" ونصت المادة 56 من هذا الدستور على أن المجلس يضم طائفتين من الأعضاء، الأولى تستمر عضويتهم تسع سنوات غير قابلة للتجديد، أما الطائفة الثانية فتستمر عضويتهم مدى الحياة، ويتكون المجلس من جميع رؤساء الجمهورية السابقين بحكم القانون ولمدى الحياة بالإضافة إلى تسعة أعضاء تستمر عضويتهم لمدة تسع سنوات يتم اختيارهم كالتالي:
أولاً: رئيس الجمهورية الحالي: يحق له اختيار ثلاثة أعضاء من هؤلاء التسعة، تستمر عضوية أحدهم لمدة ثلاث سنوات والثاني عضويته ستة سنوات والثالث تستمر عضويته مدة المجلس.
ثانياً: رئيس مجلس الشيوخ: يختار ثلاثة بذات التقسيم السابق.
ثالثاً: رئيس الجمعية الوطنية: يختار الثلاثة الباقين.
وبهذا التقسيم فإنه يمكن تجديد ثلث أعضاء المجلس الدستوري كل ثلاث سنوات.
ووفقاً للدستور فالمجلس يختص بالآتي: فحص دستورية القوانين الأساسية والمعاهدات ولوائح المجالس البرلمانية والنظر في المنازعات الخاصة بالانتخابات البرلمانية وبانتخابات رئيس الجمهورية وكذلك الاستفتاءات الشعبية، وهذا الدور إجباري يقوم به المجلس.
وله دور اختياري أو جوازي يختص بفحص القوانين العادية والمعاهدات الدولية، فهو ينظر فيها ويفحصها إذا طلب منه ذلك بواسطة رئيس الجمهورية أو الوزير الأول أو رئيس مجلس الشيوخ أو رئيس الجمعية الوطنية وفي كل الأحوال ليس من حق الأفراد اللجوء إلى المجلس الدستوري للطعن في دستورية القوانين.
وفي هذا الصدد تنص المادة 61 من الدستور الفرنسي على أن: يجب أن تعرض على المجلس الدستوري القوانين العضوية قبل إصدارها ولوائح المجالس البرلمانية قبل تطبيقها ليقرر مدى مطابقتها للدستور.
ويجوز أن يعرض رئيس الجمهورية أو الوزير الأول أو رئيس أي من المجلسين البرلمانيين القوانين قبل إصدارها على المجلس الدستوري لنفس الغرض.
وفي الحالتين المذكورتين في الفقرتين السابقتين يجب أن يبدي المجلس الدستوري رأيه في مدى شهر، ومع ذلك فللحكومة في حالة الاستعجال تقصير هذه المادة إلى ثمانية أيام.
وتنص المادة 62 من هذا الدستور- على أن "النص الذي يعلن المجلس الدستوري عدم دستوريته لا يجوز إصداره أو تطبيقه.
وقرارات المجلس الدستوري لا تقبل الطعن فيها بأي وجه من أوجه الطعن، وهي ملزمة للسلطات العامة ولجميع السلطات الإدارية والقضائية.
وبالقطع يمكن فهم ذلك النص في ضوء سمو القواعد الدستورية والحفاظ على استقرارها ضماناً لاستقرار المؤسسات في ممارسة سلطاتها واختصاصاتها الأساسية.
بناء على ما سبق فالرقابة السياسية تعد رقابة سابقة على صدور القانون يعهد بها إلى هيئة سياسية لفحص القوانين قبل إصدارها والتأكد من مدى مطابقتها للدستور، ولا يحق للأفراد أن يطعنوا أمام المجلس بعدم دستورية أي قانون- على فرض عدم دستوريته- وهي مقررة بنص الدستور ذاته، ومع ذلك فقد تعرضت الرقابة السياسية لانتقادات عنيفة تتمثل في:
أولاً: إن مسالة فحص قانون أو نص قانوني لبيان مدى مطابقته لأحكام ونصوص الدستور هي في جوهرها ومضمونها، بحث قانوني من الدرجة الأولى، وأنه من الأمور التي لا يستطيعها ولا يتقنها إلا الخبراء في القانون والمتخصصون في دراساته، ومن هنا فإنه يبدو من غير المنطقي أن يعهد بهذه المهمة الفنية الدقيقة إلى هيئة سياسية، قد يفتقد أعضاؤها القدرة على مثل هذا العمل القانوني (27).
ثانياً: تشكيل الهيئة في ذاته وطريقة اختيار أعضائها يعتبر من المسائل التي تعرض هذه الوسيلة الرقابية لكثير من النقد(28)، فلوسيلة تكوين هيئة الرقابة أثر كبير في استقلالها من عدمه، وفي مدى قوتها بين السلطات العامة، فمثلاً إذا عهد الدستور إلى البرلمان أمر تشكيل هذه اللجنة فهي تقع تحت سيطرة البرلمان وتعد تابع له ومن ثم لا تتمكن من ممارسة اختصاصاتها الأصيلة في الرقابة على ما يصدره البرلمان من تشريعات وكذلك الحال إذا كانت السلطة التنفيذية هي التي تتولى تشكيل هذه الهيئة(29).
أما إذا جعلنا تشكيل هذه الهيئة عن طريق الانتخاب الشعبي- فهذه الطريقة وإن اتفقت مع المبادئ الديمقراطية- إلا أنه يترتب عليها عواقب خطرة جداً، إذ ستحسب اللجنة نفسها ممثلة للشعب وتتنازع السلطة والنفوذ مع غيرها من الهيئات العامة وتحاول أن تخضعها جميعاً لإرادتها(30).
ثالثاً: فإن الأخذ بنظام الرقابة السياسية يشكل خطراً كبيراً، لأن المقصود بتقرير الرقابة على دستورية القوانين هو وضع حد لنزوات السياسة والحيلولة دون طغيان إحدى الهيئات السياسية على غيرها من الهيئات إذا تركت وشأنها دون رقابة، ولا شك أن وضع هذه الرقابة في أيدي هيئة سياسية سيؤدي إلى عكس النتيجة المرجوة، فهذه الهيئة السياسية الرقابية ليست بمنجىً من الخضوع للنزوات السياسية والتأثر بها (31).

المطلب الثاني: الرقابة الفضائية:
إن الرقابة اللاحقة أو البعدية أو العلاجية على دستورية القوانين أو كما يطلق عليها بحق الرقابة القضائية تعني أن تتولى المحاكم مهمة البحث في مدى مطابقة القوانين العادية لأحكام الدستور وإصدار حكم إما باتساقها أو بخروجها عليه، وهي رقابة فعالة وموجودة سواء نص عليها الدستور أم لم ينص عليها؛ على أنه يمتنع على المحاكم النظر في فحص القوانين إذ نص الدستور على ذلك صراحة.
ولهذه الوسيلة الرقابية عدة مميزات تتميز بها عن الرقابة السياسية:
1- تمتاز الرقابة القضائية بكونها رقابة محايدة ومستقلة بحكم أنها تمارس بواسطة سلطة قضائية محايدة ومستقلة دستوريا؛ ومن ثم فهي رقابة فعالة ومنتجة.
2- بما أن الرقابة على دستورية القوانين- كما أسلفنا- رقابة تستلزم مهارات فنية وقانونية فإن القضاة هم المؤهلون لهذه المهمة بحكم تكوينهم القانوني.
والرقابة القضائية ليست نمطاً واحداً، فالدول التي اعتنقت نظام الرقابة القضائية لدستورية القوانين اختلفت أساليبها في تطبيقه سواء من حيث الشكل أو الآثار أو الإجراءات المتبعة.
ويمكن حصر الرقابة القضائية في نوعين:
أ/ الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية.
ب/ الرقابة عن طريق الدفع الفرعي بعدم الدستورية.

الفرع الأول: الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية:
تتلخص الرقابة القضائية بواسطة الدعوى الأصلية في حق كل من له الحق في تحريك دعوى أصلية بطلب الحكم بعدم دستورية قانون أو لائحة؛ ونظراً لخطورة هذه الطريقة على الاستقرار القانوني في دولة ما فقد يرى المشرع الدستوري تتقيد هذا الحق وقصره على هيئات محددة يكون لها هذا الحق ويمنع الأفراد من ممارستها، والمحكمة المختصة هنا تستطيع أن تلغي القانون إذا رأت فيه مخالفة للدستور، ومن ثم يطلق عليها- أي الرقابة- رقابة الإلغاء.
ونظراً لخطورة النتائج التي تترتب على الأخذ بهذه الطريقة فإنه من المنطقي أن تتولى هذا النوع من الرقابة محكمة واحدة "مركزية الرقابة"؛ ومركزية الرقابة لها صورتين:
الصورة الأولى: يكون الاختصاص للمحكمة العليا في النظام القضائي العادي:
بمعنى أن نظر دعوى دستورية القوانين ينعقد للمحكمة العليا في النظام القضائي العادي للدولة (محكمة) النقض مثلاً ومن ثم فهي تتولى هذه المهمة ألا وهي رقابة دستورية القوانين عن طريق الدعوى الأصلية بجوار اختصاصاتها القضائية (أي القضايا المدنية والتجارية والجنائية...... الخ)(32).
ومن بين الدول التي جعلت الاختصاص الرقابي للمحكمة العليا: كولومبيا في دستور 1886 وهايتي في دستور 1928 وكوبا في دستور 1934 وسويسرا في دستورها الحالي مع ملاحظة أن سويسرا فتحت طريق الطعن أمام كل فرد له مصلحة مشروعة في إلغاء القانون، بمعنى حق كل فرد في اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا بطلب إلغاء القانون غير الدستوري متى أثبت أن له مصلحة في هذا الإلغاء سواء كانت تلك المصلحة حالة أم مستقبلية؛ غير أن اختصاص المحكمة العليا لا يمتد إلى القوانين الاتحادية وإنما يقتصر على القوانين الصادرة من مجالس الولايات دون تلك التي يسنها المجلس الاتحادي(33).

الصورة الثانية: يكون الاختصاص لمحكمة دستورية متخصصة:
وهي الصورة الغالبة لدى الدول التي تأخذ بنظام الرقابة القضائية عن طريق الدعوى الأصلية بمعنى أن الدول تجعل هذه الرقابة من اختصاص محكمة خاصة تنشأ لها الغرض؛

التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس: ذكر

تاريخ التسجيل: 03/03/2010

عدد المساهمات: 17167

نقاط: 12646430

%إحترامك للقوانين 100

العمر: 25

الأوسمه:




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: رد: دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان   السبت أكتوبر 08, 2011 7:58 pm

خيارات المساهمة


والأمثلة في هذا الصدد كثيرة منها: تركيا في دستور 1961، وإيطاليا في دستور 1947 والعراق في دستور 1925 وسوريا في دستور 1950 وإسبانيا في دستور 1931.
مع ملاحظة أن معظم الدول حظرت هذا الحق على الأفراد- وقصرته فقط على بعض الهيئات والسلطات العامة الأمر الذي قد تتحول معه المحكمة الدستورية إلى محكمة لفض المنازعات بين السلطات العامة، ويفرغ الرقابة الدستورية من فحواها وجوهرها المتمثل في حراستها للدستور وحمايتها للحقوق والحريات التي كفلها.
ورغم فعالية هذه الرقابة وحسمها في التصدي لرقابة القوانين وفحص تطابقها من عدمه مع الدساتير القائمة إلا أنها قد قوبلت بنقد كبير تمثل في مأخذين هما:
أولاً: وجود احتمال- شبه مؤكد- في وقوع الصدام بين المحكمة التي تتولى رقابة دستورية القوانين وبين السلطات القائمة على التشريع من جهة وبين السلطة التنفيذية من جهة أخرى، ويتأتى هذا الفرض إذا قام القضاء بمهمته وغالى في فرض رقابته ومن ثم ألغي بعض القوانين التي تعتبر من الأهمية بمكان بالنسبة للسلطتين [التشريعية والتنفيذية] ونجد أن الأمر يؤول إلى محاولة المشرع أو السلطة التنفيذية بما لها من صلاحيات، إلى إزالة هذه القيود من طريقة لتحقق ما تستهدفه من إصلاحات أو تعديلات في التشريعات القائمة، ولابد أن ينتهي الأمر بهما إما إلى تعديل نظم الرقابة القضائية للتخفف من رقابتها أو إلغائها تماماً، وهو ما حدث في مصر عندما أصدر السيد رئيس الجمهورية القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 وفي غيبة مجلس الشعب بتعديل بعض أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا بما يقلص من دورها الفعال في رقابة دستورية القوانين وذلك على خلفية عدد من أحكامها مثل:
1- عدم دستورية النص التشريعي الذي أجريت على أساسه انتخابات مجلس الشعب في مصر عام 1987 وذلك في حكمها في الدعوى رقم 37 لسنة 9 ق بجلسة 19/5/1990.
2- الأحكام الصادرة من الدستورية العليا بعدم دستورية بعض القوانين الضريبية الأمر الذي يترتب عليه قيام الدولة برد الضرائب إلى دافعيها(34).
ثانياً: تعد مسألة إعطاء محكمة معينة سلطة إلغاء القوانين غير الدستورية بمثابة منحها قوة هائلة ونفوذاً ضخماً في مواجهة السلطات العامة الأخرى، وهذا قد يؤدي إلى أحد أمرين:
1- إسراف المحكمة في بسط رقابتها إلى كافة أوجه النشاط التشريعي بحجة حماية الدستور وبالتالي الاصطدام مع السلطة التشريعية مما يهدد نظام الدولة ككل.
2- أو قد تتراخى المحكمة في أداء وظيفتها ومهمتها تفادياً للاصطدام بغيرها من السلطات مما يفقد الرقابة على دستورية فعاليتها وجدواها(35).

الفرع الثاني: الرقابة عن طريق الدفع بعدم دستورية القانون:
تعد هذه الطريقة- طريقة الرقابة عن طريق الدفع بعدم دستورية القانون الأمر الذي فسره كثير من الفقهاء الدستوريين على أنه قبول للرقابة على دستورية القوانين- أسبق في الظهور من الطريقة التي فصلناها آنفاً؛ حيث أن القضاء هو الذي ابتدعها دون وجود نص دستوري يقررها، وظهرت هذه الطريقة إلى الوجود عن طريق القضاء الأمريكي حتى قبل أن تصدر المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية حكمها الشهير في قضية مابوري ضد ماديسون عام 1803(36) حيث أن هناك سوابق قضائية مهدت للحكم السالف وقررت حق الرقابة الدستورية للمحاكم حيث قضت محكمة فرجينيا سنة 1766 بأن قانون التمغة غير دستوري، وعشية الاستقلال 1776 وجه قاضٍ من ولاية "ماسا شوست" هيئة المحلفين لتقرير أن قوانين البرلمان تنتهك القانون الأساسي ويجب تجنبها (37). وقد اعتنق القضاء المصري ذات المنهج منذ صدور دستور 1923 حتى صدور دستور 1971 حيث لم يكن هناك نص في أي من الدساتير المتعاقبة- عدا الأخير- يمنع أو يجيز الرقابة على دستورية القوانين ولكن عن طريق الدفع الفرعي.
ومقتضى هذه الطريقة الرقابية يفترض أن الشخص الذي يقرر أن قانوناً معيناً قد شابه عيب مخالفة الدستور، وأن له مصلحة مشروعة في منع تطبيقه، لا يبادر إلى الطعن فيه أو طلب إلغائه، وإنما يتريث إلى أن يراد تطبيقه عليه في دعوى معينة يكون طرفاً فيها، وإنما يترتب إلى أن يراد تطبيقه عليه في دعوى معينة يكون طرفاً فيها وعندئذ فقط يستطيع أن يطلب من القاضي عدم تطبيق هذا القانون عليه في الدعوى المنظورة أمامه بحجة أنه- أي القانون- يتضمن مخالفة لأحكام الدستور(38).
أي أن هذه الطريقة تستلزم الآتي:
أ/ أن تكون له مصلحة وصفة مباشرة في هذا الطعن.
ب/ أن تكون هناك منازعة موضوعية (دعوى قضائية) يكون أحد أطرافها.
3- تستطيع أي محكمة أن تتصدى لفحص وبيان مدى مطابقة نص قانوني لأحكام الدستور شريطة أن يكون ذلك بعد دفع يرفع أمامها بسبب دعوى منظورة لديها.
وإذا وصلنا إلى هذه النقطة فإن القضاء قد اتخذ موقفاً من اثنين إزاء مثل هذا الدفع:
الموقف الأول: رفض مثل هذا الدفع على أساس أن القضاء مخاطب بما تسنه السلطة التشريعية ولا يملك التعقيب على إرادة هذه السلطة، وكل الذي يملكه هو تطبيق تلك الإرادة. أما عن الدستور فإن على السلطة التشريعية أن تراعي أحكامه وهي المسئولة عن ذلك، ومهمة القضاء هي تطبيق التشريعات الصادرة عن سلطة التشريع- كذلكفإن هذا الاتجاه القضائي أخذ بتفسير لنظرية ومبدأ الفصل بين السلطات مقتضاه أن لا تتدخل السلطات القضائية في عمل السلطة التشريعية ولا يجوز لها أن تراقبها حيث يعد ذلك إخلالاً بمبدأ الفصل بين السلطات، وجل ما تملكه السلطة القضائية في هذا الشأن هو أن تفسر القوانين الصادرة من السلطة التشريعية وتطبقها على المنازعات المطروحة أمامها. وقد أخذ القضاء الفرنسي بهذه الوجهة وذلك الرأي فامتنع دائماً عن ممارسة الرقابة على دستورية القوانين(39).
الموقف الثاني: وتصدي لهذا الدفع على اعتبار أن وظيفة القضاء هي تطبيق القوانين، ولما كان الدستور هو قانون القوانين وأعلى القوانين درجة. فلا يجوز للقانون الأدنى مخالفة القانون الأعلى طبقاً للتدرج الهرمي للتشريعات، وكان القضاء عند تطبيقه للقانون إذا تبين له أن ثمة تعارض بين قاعدتين قانونيتين فإن عليه أن يحل هذا التعارض ويطبق إحدى القاعدتين وهي بطبيعة الحال القاعدة الأعلى في الدرجة ومن ثم يأخذ بحكم القاعدة الدستورية ويغفل القاعدة القانونية وهذه ما فعله القضاء الأمريكي وكذلك القضاء المصري قبل صدور دستور 1971.
مع ملاحظة انه إذا انتهت المحكمة إلى سلامة الدفع المثار أمامها وتبين لها أن القانون المطعون فيه غير دستوري، فإنها لا تقضي بإلغائه، وإنما يقف دورها عند حد الامتناع عن تطبيق هذا القانون، ولهذا سماها البعض من الفقهاء "رقابة الامتناع(40)"، ومن ثم يبقى القانون قائماً وساري المفعول تستطيع ذات المحكمة تطبيقه على نزاع آخر يعرض عليها ويؤدي ذلك إلى اضطراب المعاملات القانونية وعدم استقرارها.


المبحث الثاني
الرقابة على دستورية القوانين في مصر


باستثناء الدستور المصري الدائم الصادر عام 1971 جاءت الدساتير المصرية المتعاقبة بدءً من دستور 1882، ولائحة النظام الأساسي عام 1883 والقانون النظامي عام 1913 ودستور 1923 فدستور 1930 ثم العمل بدستور 1923 مرة أخرى ثم دستور مصر الصادر عام 1956 فدستور الوحدة الصادر عام 1958 ثم الدستور المؤقت الصادر عام 1964 بالإضافة إلى عدد من الإعلانات الدستورية الصادر فيما بعد عام 1952، جاءت جميعها خالية من أي نص ينظم الرقابة على دستورية القوانين، وفي المقابل أيضاً لم تتضمن أي نص يحظر على المحاكم مباشرة هذه الرقابة، وإزاء هذا الصمت الدستوري فقد نشط الفقه ونشطت المحاكم في تقديرها لهذه المسألة ما بين مؤيد ومعارض حتى صدر القانون رقم 81 لسنة 1969 بشأن إنشاء المحكمة العليا واختصاصها بمسألة الرقابة على دستورية القوانين ثم النص على الرقابة على دستورية القوانين في الدستور الدائم لجمهورية مصر في المواد من 174- 178 ثم صدور القانون رقم 48 لسنة 1979 بشأن إنشاء المحكمة الدستورية العليا.

وعلى هذا يمكننا تقسيم هذا الفصل إلى عدة مباحث على النحو التالي:

المبحث الأول: موقف الفقه والقضاء قبل إنشاء المحكمة العليا.

المبحث الثاني: مرحلة المحكمة العليا:

أ/ ظروف إنشاء المحكمة العليا.

ب/ تشكيل المحكمة العليا.

ج/ اختصاصات المحكمة العليا.

د/ أهم اتجاهات المحكمة العليا.

المبحث الثالث: مرحلة المحكمة الدستورية العليا:
أ/ ظروف إنشاء المحكمة الدستورية العليا.
ب/ تشكيل المحكمة الدستورية العليا.
ج/ اختصاصات المحكمة الدستورية العليا.
د/ الهجوم على المحكمة الدستورية وأسبابه.
هـ/ كلمة أخيرة.
المبحث الأول
موقف الفقه والقضاء قبل إنشاء المحكمة العليا
المطلب الأول موقف الفقه
في الفترة ما بين صدور دستور عام 1923 وصدور القانون رقم 81 لسنة 1969 بشأن إنشاء المحكمة العليا لم يكن هناك أي نص سواء كان دستوري أو تشريعي ينظم مسالة الرقابة على دستورية القوانين عن طريق المحاكم، ولم يكن هناك كذلك نص يحظر على المحاكم تلك الرقابة ومن ثم فتح المجال واسعاً أمام فقهاء القانون للقول بحق المحاكم في الرقابة على دستورية القوانين وسوق الحجج والبراهين المؤيدة لوجهة نظرهم، وفريق ذهب إلى عدم جواز رقابة المحاكم على دستورية القوانين معتمدين على حجج وبراهين ونظريات قانونية؛ ومضى هذا الخلاف الفقهي على ما يلي:

أولاً: فريق يرفض رقابة المحاكم على دستورية القوانين:
ذهبـت قلة من الفقه المصري إلى رفض الرقابة القضائية على دستـورية القوانيـن(41) مستندين إلى الحجج التالية:
1- موقف الفقه والفقهاء الفرنسيين الرافض لمسالة الرقابة القضائية على دستورية القوانين على اعتبار أن هذه الرقابة تمثل اعتداءً على مبدأ الفصل بين السلطات، حيث أن امتناع القاضي عن تطبيق القانون بدعوى مخالفته لدستور يعد تعدياً على اختصاص السلطة التشريعية.
2- الاستناد إلى نص المادة (15) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية والتي تقضي بمنع المحاكم من تأويل الأوامر الإدارية أو إيقاف تنفيذها؛ ومن ثم فتقرير الحصانة للأوامر الإدارية وفقاً للنص السابق يؤدي إلى وجوبها بداهة بالنسبة للقوانين الصادرة من المشرع من حيث كونها أسمى مرتبة من الأوامر الإدارية وبالتالي يمتنع على المحاكم النظر والرقابة على دستورية القوانين.
3- كذلك تم الاستناد إلى ما ورد بالمذكرة التفسيرية للمرسوم بقانون رقم 47 لسنة 1934 بشأن تعطيل بعض أحكام القانون رقم 26 لسنة 1912 الخاص بلائحة المحاماة الأهلية، حيث قالت: "ليس لأية هيئة قضائية في مصر حق الرقابة على دستورية القوانين". ومن الجلي وفقاً لما ورد بالمذكرة التفسيرية أن مسألة الرقابة القضائية على دستورية القوانين قد أثيرت بمصر في هذا الوقت المبكر ليس على مستوى الفقه وحده وإنما على مستوى القضاء كذلك وإلا ما وردت مثل هذه العبارة، على أن هذا الاتجاه الفقهي كانت بمثابة أقلية مثلها فقيه وربما فقيهان على الأكثر ليس إلا، وهما الدكتور وحيد رأفت والدكتور وايت إبراهيم.

ثانياً: فريق يؤيد حق المحاكم في الرقابة على دستورية القوانين:
ذهب الرأي الغالب والراجح في الفقه المصري وعلى رأسه الأستاذ الدكتور السيد صبري إلى تقرير حق المحاكم المصرية الكامل في مراقبة دستورية القوانين؛ وقد بدأ أنصار هذا الاتجاه بتنفيذ حجج الفريق الأول على النحو التالي(42):
1- إن الاستناد إلى موقف القضاء الفرنسي والقياس عليه هو قياس فاسد حيث أن الوضع القانوني في فرنسا مختلف عنه في مصر، فبينما قام المشرع الدستوري بحظر قيام المحاكم بالنظر في دستورية القوانين بموجب قانونين صدر أولهما في 16 أكتوبر 1790 وثانيهما في 2 سبتمبر 1791- ومازالا ساريات للآن- وقرربموجبهما عقوبة الخيانة العظمى للقاضي الذي يخالف أحكامهما، فإن الدساتير المصرية لم تتضمن نصوصاً مماثلة ولم يصدر عن المشرع أية قوانين تتضمن هذه الأحكام.
2- يستند حق القاضي في النظر في دستورية القوانين إلى مبدأ الشرعية؛ ويقتضي هذا المبدأ ضرورة التزام الدولة في جميع تصرفاتها بالقواعد المبينة بالوثيقة الدستورية، ولا تكون الحكومة شرعية إلا إذا التزمت في تصرفاتها بأحكام القواعد القانونية وعلى رأسها وفي صدارتها قواعد الدستور، فإن كان للحكومة أن تتصرف خارج سياق القانون، فهي حكومة استبدادية حتى ولو كان إسناد السلطة لها جاء وفق الانتخابات وعلى مقتضى المبدأ الديمقراطي، ومن ثم فإنه من غير المقبول القول بعدم خضوع القوانين للرقابة، ذلك أنها- أي القوانين- ليست سوى تصرفات للبرلمان يجب عليه أن يلتزم فيها الحدود التي رسمها الدستور، الذي أنشأ البرلمان وحدد سلطاته واختصاصاته وبين حدودها التي يجب ألا يتعداها أو يتخطى تخومها.
3- كما يستند حق القاضي في الرقابة على دستورية القوانين على اعتبار أن هذا العمل هو عمل طبيعي للقضاء، فعمل القاضي هو تطبيق القانون، ومن المنطقي أنه إذا تبين القاضي أن القانون المطلوب منه تطبيقه لم يصدر بالإجراءات المقررة دستورياً، فإنه لا يعتبره قانوناً ويمتنع عن تطبيقه، وتلك مسألة لا خلاف عليها. على أن ثمة صعوبة أخرى تتمثل في أن القانون المطلوب من القاضي تطبيقه قد يكون دستوري في شكله- أو من حيث الشكل- بمعنى أنه صدر وفقاً للإجراءات التي يقررها الدستور، غير أن الخصوم يدفعون بعدم دستوريته على سند من القول بتعارضه مع أحكام ونصوص الدستور، أي أنهم يطلبون عدم تطبيق هذا القانون عليهم. في هذا الفرض يكون القاضي أمام قانونيين متعارضين، أولهما قاعدة دستورية والثانية قاعدة قانونية تنتمي للتشريع العادي، ويكون من طبيعة عمل القاضي أن يفاضل بين القاعدتين منتهياً إلى اختيار إحداهما لتطبيقها على النزاع المطروح أمامه، وتفرض الأصول القانونية الصحيحة على القاضي أن يختار النص الأعلى ويطبقه، ألا وهو النص الدستوري، كما لو تعارضت لائحة مع قانون عادي كان الاعتداد بالقانون على اعتبار علوه في المرتبة التشريعية على اللائحة وفقاً لمبدأ تدرج التشريعات.
ولقد كان هذا المنطق هو الأساس الذي شيد عليه القاضي مارشال رئيس المحكمة الاتحادية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية حكمه الشهير في قضية ماربوري ضد ماديسون عام 1803؛ ويعد هذا الحكم أساس تقرير حق القضاء في النظر في دستورية القوانين، إعمالاً لمبدأ تدرج القواعد القانونية(43).

المطلب الثاني
موقف القضاء من الرقابة على دستورية القوانين
يقول الأستاذ الدكتور الشافعي أبو راس في كتابه القيم: القانون الدستوري، دراسة تأصيلية في النظرية العامة:
[باستقراء أحكام المحاكم في مصر، في المدة التي تلي صدور دستور 1923 حتى صدور القانون رقم 81 لسنة 1969، الذي عقد ولاية مراقبة دستورية القوانين للمحكمة العليا، يمكن القول بأن اتجاهات القضاء في موضوع اختصاص القضاء بنظر دستورية القوانين و بحثها ، قد مر بأطوار ثلاثة، أول هذه الأطوار قد شغل الفترة التي بدأت بصدور دستور 1923 حتى أول مايو 1941 تاريخ صدور حكم محكمة مصر الابتدائية الأهلية ، حيث مثل هذا الحكم بداية تطور جديد، انتهى بصدور حكم محكمة القضاء الإداري في 10 فبراير 1948 معلنا مولدالاتجاه والتطور الثالث].
ومن خلاله العرض السابق نستطيع القول بأن المرحلتين الأولي الثانية يمثلهما القضاء العادي أما المرحلة الثالثة فيمثلها القضاء الإداري، وبالتالي ينقسم هذا المطلب إلى فرعين:
الفرع الأول: موقف القضاء العادي:
كان موقف القضاء العادي في هذه المرحلة هو موقف المتحسس الذي يتهيب الدخول في أية صراعات حول المسألة المثارة أو حسمها لصالح تقرير حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين أو عدم تقريرها ويمكن القول أن القضاء العادي كانت تلك المرحلة بالنسبة له هي مرحلة البدايات أو الإرهاصات المبشرة دون حسم.
ويعتبر حكم محكمة جنايات الإسكندرية الصادر في 16 أكتوبر عام 1924 من أول أحكام هذه المرحلة وأصدقها إعلاناً عن ملامحها. فقد كان المتهمون المقدمون للمحاكمة أمامها قد طعنوا في دستورية مواد الاتهام 151/ 2، 3 عقوبات والمعدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1942، وقضت محكمة الجنايات بالإدانة ومن ثم طعن المتهمون في هذا الحكم عن طريق النقض وكرروا طعنهم بعدم دستورية مواد الاتهام لمخالفتها للمادة 14 من دستور 1923 والتي تكفل حرية الرأي والمادة 164 من الدستور والتي ترسم إجراءات محددة لصدور القوانين لم تتبع في إصدار القانون 37 لسنة 1923 المعدل لمواد الاتهام؛ غير أن محكمة النقض رفضت الطعن على أساس أن ما ذهبت إليه محكمة الجنايات في حكمها المطعون فيه من أن: "القانون رقم 37 لسنة 1923 المعدل للمادة 151 عقوبات صدر من الجهة التي لها ولاية التشريع وقت صدوره، ولم يأت نص في الدستور مانع لتنفيذه أو معلق له إلى الوقت الذي ينظره فيه البرلمان، ومن ثم فأحكامه لا يمكن تعطيلها إلا بقانون آخر ينسخها، كما أن المادة 151 سابقة الذكر لم تكن مخالفة لأحكام الدستور، لأن حرية الرأي المكفولة بالدستور يجب أن تكون في حدود القانون، كما نصت على ذلك المادة 14 من الدستور. ومن ثم يكون الحكم الطعين سليم من الناحية القانونية ويتعين رفض الطعن عليه(44).
وإذا كانت محكمة الجنايات ومن بعدها محكمة النقض، قد تعرضتا لصعوبة مسألة حق القضاء في الرقابة على دستورية القوانين، واستظهرتا أن القانونالمطعون فيه متطابق مع الدستور في إجراءات صدوره وفي مضمونه، وانتهتا من ذلك إلى وجوب احترامه وتطبيقه، فإن الفقه لم يعتبر هذا القضاء حاسماً في تقرير حق القضاء في مراقبة دستورية القوانين، ذلك أن الظروف ساقت دعوى كان القانون المطعون في دستوريته فيها سليماً ودستورياً، ومن ثم فإنه لم يكن واضحاً اتجاه المحكمة في هذا الشأن(45).
ويواصل د/ الشافعي أبو راس في كتابه ومن هذا القبيل أيضاً حكم محكمة تلا الجزئية في 3 يناير عام 1926. حيث تتلخص وقائع الدعوى في أنه في عام 1925 أصدرت الوزارة في غيبة البرلمان تعديلاً في قانون الانتخاب، واستناداً إلى هذا التعديل أصدرت وزارة الداخلية "المنشور نمرة 1 انتخابات" فرفض بعض العمد تنفيذه وأضربوا عن استلام دفاتر الانتخابات كما أضربوا كذلك عن العمل. فقامت النيابة العامة بتقديمهم للمحاكمة الجنائية بتهمة عدم تنفيذ الأوامر الصادرة لهم من رؤسائهم طبقاً للائحة العمد.
وقد دفع المتهمون أمام المحكمة بعدم دستورية القانون المعدل للانتخابات، ومن ثم يكون المنشور الصادر إليهم بالاستناد عليه، غير مشروع؛ وبالتالي فهم غير ملتزمين باحترام أو تنفيذ أوامر غير مشروعة ولقد لمست المحكمة المشكلة مساً خفيفاً؛ وخرجت من الأزمة بحيلة أعفتها من ضرورة التعرض لموضوع مدى ولاية القضاء في مراقبة دستورية القوانين، وتمثل هذا المخرج فيما انتهت إليه المحكمة بأن "قانون الانتخاب ليس هو المطلوب تطبيقه في هذه القضية، إذ لا يحاكم العمد على مخالفة قانون الانتخاب بل لمخالفتهم لأمر صادر من وزارة الداخلية، وهو المنشور نمرة (1) انتخابات الواجب عليهم طاعته في تأدية وظيفتهم طبقاً للائحة العمد، فلا محل إذن للبحث في دستورية قانون الانتخاب الصادر في 8 ديسمبر 1925"(46).
على أن محكمة مصر الابتدائية الأهلية قد كانت أكثر وضوحاً وحسماً في تقرير ولاية القضاء وكامل صلاحيته في مراقبة دستورية القوانين، كما أظهر حكمها الصادر في أول مايو 1941 عن وجود تيارين قضائيين أولهما مع حق القضاء في مراقبة دستورية القوانين ومنه الحكم المشار إليه، وثانيهما يرى أنه ليس أمام القاضي إلا تطبيق القانون ومثل هذا التيار حكم محكمة استئناف مصر الأهلية القاضي بإلغاء الحكم الأول.
وقد ساق الدكتور الشافعي أبو راس مقتطفات من الحكمين لبيان أسانيد كلا منهما وذلك على النحو التالي:

1/ حكم محكمة مصر الابتدائية الأهلية:
قالت المحكمة في حكمها القاضي بحقها في مراقبة دستورية القوانين [وحيث أن الدستور المصري يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية عن بعضها واستقلال كل منهما عن الأخرى، فلكل منها تمام السيادة في حدود اختصاصها إلا أنها جميعاً مقيدة بالنظام الدستوري الذي أوجدها، ومنه تستمد سلطاتها، وليس لها أن تخرج عليه أو أن تعارضه طبقاً للمادة الثالثة والعشرين التي تنص على أن: "جميع السلطات مصدرها الأمة واستعمالها يكون على الوجه المبين بهذا الدستور". فإذا اعتدت السلطة التشريعية على أحكامه فليس لها أن تجبر السلطة القضائية على الاشتراك معها في هذا الاعتداء، مادامت هذه بدورها مستقلة في حدود اختصاصاتها، والقاضي يختص بإيجاد الحل القانوني للمنازعات المطروحة أمامه وهو مقيد في حكمه بقوانين البلاد العادية. كما أنه مقيد أيضاً بالقانون الأساسي للدولة، وهو أسمى القوانين جميعها، فإذا ما تعارض القانون العادي مع الدستور فواجب القاضي في هذه الحالة، يحتم عليه ترجيح النص الدستوري على القانون العادي، وتطبيق الأول وإهمال الثاني، ولا يخرج بذلك عن اختصاصه، فهو لا يلغي القانون، وإنما يطبق القانون الأعلى الواجب التطبيق، ثم هو لا يفتأت على السلطة التشريعية وإنما يقوم بوظيفته التي تتطلب منه أن يبين القانون الواجب التطبيق في النزاع المطروح عليه]. ثم استعرض الحكم آراء الفقهاء التي تساند رأيه واستشهد بأحكام قضائية، ومن ثم انتهى إلى تقرير مبدأ حق المحاكم في الرقابة على دستورية القوانين بقوله "وحيث أنه يستخلص مما تقدم أن للمحاكم مطلق الحرية في بحث دستورية القانون المطلوب منها تطبيقه، وإذا اقتنعت بمخالفته لأحكام الدستور شكلاً وموضوعاً، فلها أن تمتنع عن تطبيقه على النزاع المطروح أمامها".
ومن الواضح هنا أن الحديث عن الرقابة القضائية على دستورية القوانين عن طريق الدفع بعدم الدستورية أمام أية محكمة ودون حاجة للنص عليه في الدستور.

2/ حكم محكمة استئناف مصر الأهلية:
وعلى عكس حكم محكمة مصر الابتدائية الأهلية صدر حكم محكمة الاستئناف القاضي بإلغاء الحكم السابق، والذي أكد على عدم أحقية المحاكم في بحث مسألة دستورية القوانين واستندت إلى ما يلي طبقاً لمنطوق حكمها:
أ/ تقول المحكمة "إن المحاكم غير مختصة بالفصل في دستورية القوانين وعدم دستوريتها إلا من حيث الشكل، وعليها أن تتحقق من أن الأوضاع الشكلية التي يتطلبها الدستور لنفاذ القانون المطلوب منها تطبيقه قد استوفيت فإذا ما تحقق لديها ذلك وجب عليها تطبيقه دون البحث في مطابقته أو عدم مطابقته للمبادئ المقررة في الدستور نصاً أو روحاً، وذلك لأن مبدأ الفصل بين السلطات مقرر في الدستور المصري بما يستتبعه ذلك من استقلال كل سلطة في عملها عن غيرها من السلطات وعدم خضوعها لمراقبتها وإشرافها.
ب/ وتواصل المحكمة أسانيدها بالقول "وحيث أن الدستور إذ نص على أن السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الشيوخ والنواب فإنه يكون قد اختص هذه السلطة وحدها بالأعمال التشريعية، ولا شك أن من واجبات هذه السلطة قبل إصدار تشريع ما أن تتحقق من مطابقته لنصوص الدستور وروحه عملاً بالمادة 23 من الدستور، وما دام هذا البحث هو من اختصاصات تلك السلطة فليس للمحاكم مراقبتها فيه وإعادة بحث القانون بعد صدوره لمعرفة ما إذا كان منطبقاً على نص الدستور أو مخالفاً للمبادئ المقررة فيه، وإلا كانت المحاكم خارجة عن حدود اختصاصها ومتداخلة في أعمال السلطة التشريعية".
ج/ وترد المحكمة على الحكم الذي ألغته بقولها: "وليس فيما تقدم إجبار للمحاكم على الاشتراك في الاعتداء على الدستور إذا ما طبقت قانوناً دفع أمامها بأنه صدر مخالفاً لمبادئه مع التسليم جدلاً بصحة ذلك الدفع، لأن في تطبيقها هذا تنفيذاً لنصوص الدستور الذي حدد سلطاتها وقصرها على تنفيذ القوانين التي تصدر مستوفية للشكل الذي نص عليه".
كما أن للقضاء الجنائي المختلط رأي في شأن الدفع بعدم دستورية القانون وذلك في الحكم الصادر من محكمة الجنايات المختلطة في 9/12/1948، إذ حدث أن اتهمت امرأة أجنبية من قبل النيابة العامة بالترويج للشيوعية عن طريق الدعوة للمذاهب الماركسية وأدانتها النيابة العامة بالمادة 98 فقرة 3 من قانون العقوبات والصادرة بالمرسوم بقانون رقم 117 لسنة 1946 والمعدل لها، وقد دفع بعدم دستورية ذلك المرسوم لأنه لم يعقب صدوره دعوة البرلمان لانعقاد غير عادي للنظر في ولذلك يسقط مفعوله تطبيقاً للمادة 41 من دستـور 1923، وقد بحثت محكمة الجنايات هذا الدفع ورفضته لأسباب ذكرتها، ملخصها: أن القانون المشار إليه يعتبر نافذ بالرضاء والضمني للبرلمان إذ عرض المرسوم على البرلمان في دورته العامة فلم يقره ولم يرفضه، وقررت المحكمة في حيثيات حكمها أنها لا تريد الدخول في النزاع القائم في فرنسا وفي مصر حول حق القضاء في بحث دستورية القوانين، وأكدت على أن كل ما تملكه في هذا الشأن هو التحقق مما إذا كانت الشروط الشكلية لوجود القانون في ذاته قد توافرت من عدمه وذلك من حيث الاقتراع على القانون وإصداره ونشره ومن حيث الشروط اللازمة لوجوده إذا صدر في غيبة البرلمان(47).
وهكذا يظهر لنا مما سلف أن الوضع حتى سنة 1948 ظل بالنسبة لرقابة دستورية القوانين متأرجحا بين المحاكم المصرية، البعض يقرها والبعض الآخر يرفضها، ومحكمة النقض ترفض حسم المسألة برأي قاطع رغم عرضها عليها أكثر من مرة ولم يقر القضاء العـادي رقابـة دستـورية القوانين إلا اقتداء بالقضاء الإداري على نحو ما سنعرض له حالاً(48).

التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس: ذكر

تاريخ التسجيل: 03/03/2010

عدد المساهمات: 17167

نقاط: 12646430

%إحترامك للقوانين 100

العمر: 25

الأوسمه:




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: رد: دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان   السبت أكتوبر 08, 2011 8:00 pm

خيارات المساهمة


الفرع الثاني: موقف القضاء الإداري:
أنشأ القضاء الإداري في مصر بموجب القانون رقم 112 لسنة 1946 بشأن مجلس الدولة في مصر، وقد عرضت مسألة رقابة المحاكم على دستورية القوانين في القضية رقم 65 لسنة 1 قضائية وأصدرت المحكمة حكمها في هذه القضية يوم 10 فبراير 1948 مقرراً بوضوح وحسم أن لمجلس الدولة ولجميع المحاكم المصرية كامل الولاية في مراقبة دستورية القوانين، ولهذا الحكم في مصر ذات الأثر والقوة لحكم القاضي الأمريكي مارشال في قضية ماربوري ضد ماديسون سنة 1803، وصدر الحكم من الدائرة الأولى لمحكمة القضاء الإداري برئاسة الأستاذ/ محمد كامل مرسي باشا وعضوية المستشارين: زكي الأبوتيجي، والسيد علي السيد، ومحمد علي راتب، ومحمد سامي مازن.
وقد لخص الدكتور ثروت بدوي المبادئ والحجج التي صاغها هذا الحكم الفذ بقوله:
استقر القضاء على تقرير حق القضاء في مراقبة دستورية القوانين منذ صدور حكم محكمة القضاء الإداري في 10/2/1948 الذي تقرر فيه ما يلي:
1- ليس في القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين ولا المراسيم بقوانين سواء من ناحية الشكل أو الموضوع أما القول بأن في هذا التصدي إهداراً لمبدأ الفصل بين السلطات بتدخل السلطة القضائية في عمل السلطة التشريعية بما يعطل تنفيذه، فإنه يقوم على حجة داحضة، إذ على العكس من ذلك فإن في هذا التصدي إعمال لهذا المبدأ ووضعاً للأمور في نصابها الدستوري الصحيح بما يؤكده ويثبته.
2- إن الدستور المصري إذ قرر مبدأ فصل السلطات ضمناً حين حدد لكل سلطة من السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، المجال الذي تعمل فيه، قد قرنه بمبدأ آخر ضمناً وجعله متلازماً معه حين قرر في المادة 23 منه أن استعمال السلطات يكون على الوجه المبين بالدستور، وبذلك جعل استعمال السلطات لوظائفها ينتظمه دائماً تعاون متبادل بينهما على أساس احترام كل منها للمبادئ التي قررها الدستور.
3- إن الدستور المصري إذ قرر في المادة 30 منه أن السلطة القضائية تتولاها المحاكم، فإنه قد ناط بها مهمة تفسير القوانين وتطبيقها فيما يعرض عليها من شتى المنازعات. ويتفرع عن ذلك أنها تملك الفصل عن تعارض القوانين في أيهما الواجب التطبيق، إذ لا يعدو هذا التعارض أن يكون صعوبة قانونية مما يتولد من المنازعة فتشملها سلطة المحكمة في التقدير وفي الفصل، لأن قاضي الأصل هو قاضي الفرع.
4- إن الأمر الملكي رقم 42 لسنة 1923 بشأن وضع نظام دستوري للدولة المصرية، هو أحد القوانين التي يجب على المحاكم تطبيقها، ولكنه يتميز عن سائر القوانين بما له من طبيعة خاصة تضفي عليه صفة العلو، وتسمه بالسيادة بحسبانه كفيل الحريات وموئلها ومناط الحياة الدستورية، ونظام عقدها.
5- أما في حالة تعارض قانون عادي مع الدستور في منازعة من المنازعات التي تطرح على المحاكم فإنه يجب عليها بحكم وظيفتها القضائية أن تتصدى لهذه الصعوبة وأن تفصل فيها على مقتضى أصول هذه الوظيفة وفي حدودها الدستورية المرسومة لها، ولا ريب في أنه يتعين عليها عند قيام هذا التعارض أن تطرح القانون العادي وتهمله وتغلب عليه الدستور وتطبقه بحسبانه القانون الأعلى الأجدر بالاتباع. وهي في ذلك لا تعتدي على السلطة التشريعية مادامت المحكمة لا تضع بنفسها قانوناً ولا تقضي بإلغاء قانون ولا تأمر بوقف تنفيذه، وغاية الأمر أنها تفاضل بين قانونين قد تعارضا فتفصل في هذه الصعوبة وتقرر أيهما الأولى بالتطبيق.
6- إن الدستور المصري قد ردد تلك البداهة القانونية الواردة في المادة 167 منه، حين جعل نفاذ أحكام القوانين السابقة عليه رهيناً بأن تكون متفقة مع أحكامه، وغني عن البيان أن الخطاب في هذه المادة موجه إلى المحاكم التي قد يقوم لديها مثل هذا التعارض في التطبيق بين تلك القوانين وبين الدستور؛ ونلمح في هذا النص دلالة مزدوجة: إذ حين أناط بالمحاكم مطابقة تلك القوانين للدستور فإنه قد اعتبر أن حقها في هذا البحث من المسلمات، كما أنه أكد سيادة الدستور العليا إذا ما تعارض مع القوانين العادية(49).
وبصدور هذا الحكم التاريخي انتهى الخلاف بين المحاكم المصرية واستقر قضائياً حق المحاكم في الرقابة على دستورية القوانين، فقضت الإدارية العليا أنه "ليس في القانون المصري ما يمنع القضاء من التصدي لبحث دستورية القوانين مادامت رقابته لهذه الدستورية تجد حدها في نطاق تطبيق أو استبعاد القانون دون الحكم بإلغائه أو وقف تنفيذه(50)". وقضت كذلك محكمة النقض بأنه جرى قضاء محكمة النقض بأن الدستور هو القانون الوضعي الأسمى، صاحب الصدارة، فكان على ما دونه من التشريعات النزول عند أحكامه، فإذا ما تعارضت هذه وتلك وجب التزام أحكام الدستور وإهدار ما سواها".
وعلينا قبل إنهاء هذا المبحث أن تقرر إنه إذا كان حكم محكمة القضاء الإداري هو الذي أرخ لبداية تقرير حق المحاكم في الرقابة على دستورية القوانين في مصر وحسم كل خلاف قضائي أو فقهي حول هذه المسألة، فإن حكم محكمة مصر الابتدائية الأهلية هو صاحب الصدارة في هذا الصدد وهو حكم تاريخي لم تتوفر له الظروف المناسبة لأن يكون حاسماً لذلك المبدأ خاصة مع إلغائه عن طريق محكمة استئناف مصر ولأهمية هذا الحكم نجتزأ الآتي من حيثياته:
"إن مبدأ فصل السلطات لا يمنع المحاكم من بحث دستورية القوانين بل ربما كان الأخذ بهذا الرأي نتيجة حتمية وطبيعة منطقية كما قال بارتلمي- وبحق- لمبدأ فصل السلطات؛ إذ يستحيل على السلطة القضائية أن تحافظ على استقلالها إلا إذا اقتنعت بأن القانون الذي ستطبقه هو قانون صحيح مستوف لشرائط القانون الدستوري، وهو بذلك الموئل الأكبر لضمان الحريات الشخصية وحيث إن المادة (15) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية لا تصلح أساساً لتدعيم الرأي القائل بمنع المحاكم من الفصل في دستورية القوانين لأن هذه المادة تبيح للمحاكم البحث في مشروعية الأوامر الإدارية فهي تبيح لها بطريق القياس هذا الحق بالنسبة لدستورية القوانين، وهي على كل حال خالية من أي نص يمنع المحاكم من استعمال هذا الحق الأخير، وكل ما فيها أنها تحظر على المحاكم تأويل الأوامر الإدارية أو إيقاف تنفيذها، ولكنها في الوقت نفسه تخولها السلطة في تعويض المضرور من تنفيذ هذه الأعمال المخالفة للقانون. وقد اتجهت المحاكم إلى التحلل من هذا الحظر فقضت محكمة مصر للأمور المستعجلة بتاريخ 8 ديسمبر 1938 في قضية مزرعة الجبل الأخضر (مجلة المحاماة ق 19 ص 57) أن العمل الإداري الذي لا تشوبه شائبة من إحدى نواحيه القانونية هو الذي يستفيد وحده من الحصانة الإدارية المقررة بالمادة (15) من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية فلا يقبل نقداً قضائياً ولا يؤول معناه أو يوقف تنفيذه بطريق مباشر أو غير مباشر. أما العمل الإداري غير الحقيقي- أي العمل الاستبدادي فإنه يخرج في هذه الحالة عن حظيرة الأعمال الإدارية، وهو عمل باطل لا تحميه مطلقاً الحصانة الإدارية وتسري عليه أصول القانون من الوجهة العامة فيجوز إلغاؤه أو إيقاف تنفيذه واستخدام الوسائل القانونية المعروفة لتعطيله، كحالة ما إذا كان قد جاء مخالفاً للقانون مخالفة صارخة في جميع نواحيه نصاً وغرضاً فيجوز للفرد المضرور منه الالتجاء إلى المحاكم القضائية في هذه الحالة للحكم بإلغاء العمل الإداري باعتباره تعدياً على حقوق والحيلولة دون نفاذه، والحظر المشار إليه قاصر على الأوامر الإدارية لأسباب تتصل بحسن سير الإدارة الحكومية فلا يتعداها إلى القوانين لعدم النص ولانعدام المقتضى وللمحاكم- إذا اقتنعت في بحثها بعدم دستورية أي قانون- ألا تتقيد به وأن تطبق النص الدستوري دونه وليس في القانون ما يحول بينها وبين استعمال هذا الحق، وحيث أنه يستخلص مما تقدم أن للمحاكم مطلق الحرية بحث في دستورية القانون المطلوب منها تطبيقه وإذا اقتنعت بمخالفته لأحكام الدستور شكلاً وموضوعاً فلها أن تمتنع عن تطبيقه على النزاع المطروح أمامها(52)".

المبحث الثاني
الرقابة على دستورية القوانين في ظل المحكمة العليا

تمهيد:
استقر القضاء على أن له كامل الولاية والصلاحية في مراقبة دستورية القوانين في مصر خاصة بعد صدور حكم محكمة القضاء الإداري في 10 فبراير 1948، ولكنها كانت رقابة امتناع عن تطبيق القانون وإهمال وليس رقابة إلغاء، ومن ثم بقاء القانون وإمكان قيام محاكم بتطبيقه ومحاكم أخرى تمتنع عن تطبيقه، بمعنى أن ذات القانون يعتبر دستوري في وجهة نظر طائفة من القضاء، وغير دستوري بالنسبة للبعض الآخر؛ وفي هذا المعنى تقول المحكمة الإدارية العليا في أحد أحكامها "إن ولاية المحاكم في رقابتها لدستورية القوانين كانت مقصورة على الامتناع عن تطبيق القانون المخالف للدستور، ولم يكن قضاؤها في موضوع دستورية القوانين ملزماً لها ولا لغيرها من المحاكم، وكان لها ولغيرها أن تعدل عن رأيها السابق في مدى دستورية القانون محل الطعن، فكان القانون يعتبر في أن واحد، دستـورياً تطبقـه بعض المحاكم، وغير دستوري فتمتنع عن تطبيقه محاكم أخرى(53)".
ويترتب على هذا الوضع تناقضاً غير مقبول لدى الفكر القانوني، قد يؤدي إلى زعزعة الثقة في القانون وفي القضاء على حد سواء، ومن ثم فقيام المشرع بإصدار القانون رقم 81 لسنة 1969 بإنشاء المحكمة عد تتويجاً للنضال الفقهي والقانوني السابق عليها؛ ولكن قد تبدو الأمور أكثر وضوحاً لو علمنا ظروف إنشاء المحكمة العليا والغرض منها وكيفية تشكيل المحكمة واختصاصاتها ونماذج من أحكامها؛ وهذا ما سنتناوله بالبيان في المطالب التالية:

المطلب الأول
ظروف إنشاء المحكمة العليا

لكي نتمكن من فهم أي قانون فهماً صحيحاً يتوجب علينا بحث الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أفرزته، هذه ناحية، حيث أن أي قانون هو وليد مجموعة الظروف السائدة في عصره، كما يأتي معبراً عن موازين القوى والاتجاهات الفكرية في بلد ما في زمن معين، ومن ناحية أخرى يتوجب علينا بحث حزمة القوانين الصادرة في ذات البلد في الزمن المعاصر للقانون المراد بحثه، حيث تعبر هذه القوانين عن اتجاهات السلطات ورغباتها السياسية أو الاجتماعية التي تريد تحقيقها بواسطة الأداة التشريعية؛ فالقانون هو الوسيلة التي تحقق بها السلطات ما تريد في جميعمناحي الحياة.
وبوضع القانون رقم 81 لسنة 1969 بشأن المحكمة العليا محل البحث في ضوء ما سبق نجد الآتي:
1/ كان لموقف القضاء بفرعية العادي والإداري والمقرر لحق المحاكم في التصدي لمسألة الرقابة على دستورية القوانين الأثر الأكبر في قيام لجنة الخمسين المنوط بها وضع دستور دائم لمصر عام 1954 في تضمين مشروعها نصوصاً تتضمن تنظيماً دستورياً للرقابة القضائية على دستورية القوانين عبر محكمة دستورية متخصصة، غير أنه لظروف العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ثم ظروف الوحدة مع سوريا عام 1958 ثم الانفصال حالت دون تمام هذا المشروع وإصداره في دستوري 1956، و 1958.
2/ نص ميثاق العمل الوطني الصادر في 30 يوليو 1962 على ما يؤكد إقرار الرقابة على دستورية القوانين، بقوله "ضرورة أن تقام كل الضمانات الكفيلة بسيادة القانون بحيث يصدر طبقاً للدستور، ومن ثم فقد أصبح ملائماً تقديراً للحرية ودعماً لها أن يتقرر إنشاء محكمة دستورية عليا، يحدد الدستور الجديد طريقة تشكيلها واختصاصها". وذات الأمر نجده في سياق بيان 30 مارس 1968 والذي ألقاه عبد الناصر في أعقاب يونيو 1967 وما تبعها من أمور انعكست على جميع الأمور السياسية وغير السياسية في مصر.
3/ ولعل ما سبق عرضه قد دفع بعض الفقهاء إلى القول أن ما انتهى إليه القرار بقانون رقم 81 لسنة 1969 من الرقابة على دستورية القوانين، كان تطوراً طبيعياً للإرهاصات السابقة والمتمثلة في أحكام القضاء ونصوص مشروع دستور 1954 (لم يصدر) ونصوص ميثاق العمل وصياغة بيان 30 مارس، بما يتوجب معه إنشاء محكمة دستورية احتراماً وضماناً لمبدأ سيادة القانون وحماية للحريات (54).
4/ غير أن الظروف التي أحاطت بصدور القرار بقانون المذكور لا تؤيد هذا الرأي، وذلك أنه بعد هزيمة يونيو 1967 وضعف النظام بدأ صوت المعارضة يرتفع، ورداً على ذلك بدأت الحكومة تحاول الحد من هذه المعارضة على كافة المستويات. وبالنسبة للقضاء بدأت الحكومة تسرع في خطواتها نحو إدخال القضاة إلى الاتحاد الاشتراكي، وفصل النيابة عن القضاء، وتبني نظام القضاء الشعبي. وقد وقف القضاة في وجه محاولات السلطة التنفيذية، واصدروا بياناً في 28/3/1968 يعارضون فيه اتجاه الحكومة(55)، ولم تفلح محاولات الحكومة مع القضاة لتأجيل إصدار بيانهم لما بعد بيان السيد رئيس الجمهورية(56)، وتصاعدت الأزمة بين رجال القضاة والسلطة بمناسبة انتخابات مجلس إدارة نادي القضاة في 31/3/1969 والتي فاز فيها المناصرون لبيان 28 مارس 1969 بجميع مقاعد مجلس الإدارة، ومن ثم فقد اتخذت السلطة إجراءاً عنيفاً ضد القضاة تمثل في إصدار القرار بقانون رقم 83 لسنة 1969 بإعادة تشكيل الهيئات القضائية(57). وهم ما يعرف بمذبحة القضاة حيث شكلت لجنة ضمت كلاً من السيد/ محمد أنور السادات والسيد جمال العطيفي عام 1969 وتولت تحديد أسماء القضاة الذين تم عزلهم بواسطة القانون سالف الذكر، كما صدر القانون رقم 84 لسنة 1969 بحل مجلس إدارة نادي القضاة المنتخب كعقاب له على معارضته للنظام الحاكم وعدم تأجيل بيان القضاة لما بعد بيان رئيس الجمهورية.
وإذا كان القانونان المذكوران آنفاً قد مثلا اعتداءً صارخاً على السلطة القضائية فإن النظام أصدر معها قوانين أخرى بدت كأنها تعمل لصالح السلطة القضائية وتدعيمها- وهو دأب المشرع المصري عند إصدار أي قانون يقيد من حرية أو يهدر مبدأً فهو يصدر معه آخر بعطي بعض المكاسب، لينسي الناس هذا بذاك- فصدر القانون رقم 86 لسنة 1969 بتعديل أحكام قانون مجلس الدولة وإنشاء قسم التشريع به، والقانون 82 لسنة 1969 بإنشاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية للتنسيق بين جميع الهيئات القضائية، وكذلك صدر القانون محل البحث رقم 81 لسنة 1969 بشأن إنشاء المحكمة العليا لمراقبة دستورية القوانين.
وخلاصة القول إن إنشاء المحكمة العليا بالقرار رقم 81 لسنة 1969 لم يكن قناعة من السلطة بأهمية وجود محكمة متخصصة للفصل في دستورية القوانين وإنما صدر هذا القانون لأسباب محددة هي:
أ/ قطع الطريق على المحاكم الإدارية والعادية في بحث دستورية القوانين وجعله من اختصاص محكمة واحدة تهيمن عليها السلطة التنفيذية.
ب/ التغطية على القرارات بقوانين التي استهدفت من ورائها إقصاء ما يقرب من مائتي مستشار بحجة عدم تعاونهم التعاون الكافي مع السلطات القائمة.
ج/ كان الغرض من هذه المحكمة أن تكون أداة في يد السلطة تحقق بها أغراضها السياسية ومن ثم بسط ولاية هذه المحكمة لتكون المحكمة العليا في النظام القضائي المصري ومنحها اختصاصات واسعة تمكنها من أداء هذا الدور.
ولعل ما طرحناه آنفاً يكن أكثر وضوحاً إذا استعرضنا تشكيل المحكمة العليا واختصاصها.

المطلب الثاني
تشكيل المحكمة العليا

تنص المادة رقم (1) من قانون إنشاء المحكمة العليا على أن المحكمة هي الهيئة القضائية العربية المتحدة، وتنص المادة الثانية منه على أن: يصدر أول تشكيل للمحكمة العليا بقرار من رئيس الجمهورية ويتضمن تعيين رئيس المحكمة ونوابه والمستشارين دون تقيد بإجراءات التعيين أو قواعد الأقدمية.
كما نصت المادة الثالثة من القانون سالف الذكر على أن: المحكمة تتكون من رئيس ومن نائب أو أكثر وعدد كاف من المستشارين، وتنص المادة السابعة على أن: يعين رئيس المحكمة بقرار من رئيس الجمهورية، من بين أعضاء الحكمة العليا أو من غيرهم، ويجوز تعيين رئيس المحكمة دون التقيد بسن التقاعد، ويكون تعيين نواب رئيس المحكمة ومستشاريها بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للهيئات القضائية ويكون تعيين الرئيس ونوابه والمستشارين لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، مع ملاحظة أن المجلس الأعلى للهيئات القضائية يتكون من الآتي أسماءهم وفقاً لنص القرار بقانون 82/ 1969 (م3).
1/ رئيس الجمهورية رئيساً
2/ وزير العدل نائباً للرئيس
3/ رئيس المحكمة العليا
4/ رئيس محكمة النقض
5/ رئيس المحكمة الإدارية العليا
6/ رئيس محكمة استئناف القاهرة
7/ النائب العام
8/ رئيس هيئة قضايا الدولة
9/ رئيس النيابة الإدارية
10/ أقدم نواب رئيس محكمة استئناف القاهرة
11/ رئيس محكمة القاهرة الابتدائية
ويقول د/ يحيى الجمل في تعليقه على طريقة تشكيل المحكمة:
عهد قانون المحكمة إلى رئيس الجمهورية مهمة اختيار وتعيين رئيس المحكمة ومستشاريها وبذلك تنفرد السلطات التنفيذية، بل قمة هذه السلطة باختيار وتعيين أعضاء هذه- هذه المحكمة التي يفترض فيها أنها تراقب سلطات الدولة الأخرى كي تردها إلى جادة الدستور، وهذه طريقة معيبة ولا توفر أي قدر من الاستقلال لأعضاء المحكمة. أضف إلى ذلك أن مدة ولاية أعضاء المحكمة هي ثلاث سنوات قابلة للتجديد وهي مدة قصيرة جداً مما يفقد المحكمة الاستقلال الحقيقي حتى وإن نص القانون على استقلاليتها وعدم قابلية قضاتها للعزل، ذلك انهم في الحقيقة معرضون لنوع من العزل الدوري كل ثلاث سنوات(58).
كما أن موضوع السنوات الثلاث قصد به تسليط سيف على أعضاء المحكمة لتكون أعينهم دائماً في أي نزاع مطروح أمامهم على رغبات السلطة التنفيذية.
وأخذ رأي المجلس الأعلى للهيئات القضائية في أمر تعيين نواب الرئيس ومستشاري المحكمة هو أيضاً أمر مخل باستقلال المحكمة كون هذا المجلس ووفقاً لتشكيله هو هيئة تسيطر عليها السلطة التنفيذية.
ونصت المادة السادسة من قانون المحكمة العليا على أنه: يشترط فيمن يعين مستشاراً بالمحكمة العليا أن تتوافر فيه الشروط العامة اللازمة لتولي القضاء طبقاً لأحكام قانون السلطة القضائية وألا يقل سنه عن ثلاثة وأربعين سنة ميلادية، ويكون اختيار مستشاري المحكمة من بين الفئات الآتية:
أ/ المستشارين الحاليين أو من في درجتهم من أعضاء الهيئات القضائية المختلفة ممن أمضوا في وظيفة مستشار أو ما يعادلها مدة ثلاث سنوات على الأقل.
ب/ ممن سبق لهم شغل وظيفة مستشار أو ما يعادلها في الهيئات القضائية لمدة ثلاث سنوات على الأقل.
ج/ المشتغلين بتدريس القانون بجامعات الجمهورية العربية المتحدة في وظيفة أستاذ لمدة ثماني سنوات على الأقل.
د/ المحامين الذين اشتغلوا أمام محكمة النقض أو المحكمة الإدارية العليا لمدة ثمان سنوات.
فإذا كان هذا هو تشكيل المحكمة، فإنه تثور حوله بعض الملاحظات أوردها وفصلها د/هشام محمد فوزي في كتابه رقابة دستورية القوانين:
1/ لم يتم تحديد عدد أعضاء المحكمة، وهذا يمنح السلطة السياسية فرصة إنقاص العدد أو زيادته لتحقيق أهداف سياسية؛ وكان من الأفضل تحديد أعضاء المحكمة عن طريق الدستور وألا يترك ذلك للقانون؟ فقد يحدث صدام بين الحكومة والمحكمة فستغل الأولى الأغلبية البرلمانية المؤيدة لها في البرلمان لمحاولة تعديل قانون المحكمة، وقد حدث شيء من هذا في عهد الرئيس الأمريكي روزفلت والأمر ذاته مع المحكمة الدستورية العليا في مصر عام 1998، وقد حدد كل من الدستور الإيطالي والسويسري عدد أعضاء المحكمة، وتحديد العدد في الدستور أقوى من تحديده في القانون، أما عدم تحديده في كليهما فهو معيب ويفتح الباب للأهواء وسيطرة السلطة التنفيذية.
2/ يرى د/محمد حسين عبد العال (59): أنه يجب تعيين أعضاء المحكمة العليا بواسطة السلطة القضائية وحدها في صورة المجلس الأعلى للهيئات القضائية، ويقرر أنه ليس هناك داعٍ للاستشهاد بتجارب الدول الأخرى، إذ أن التاريخ الدستوري المصري يظهر أن الخطر الحقيقي على احترام الدستور وسيادة القانون يكمن في السلطة التنفيذية التي دأبت الدساتير المصرية المتعاقبة- بما فيها دستور 1971- على جعل العديد من الاختصاصات لها بما يغريها على الخروج على الدستور والاعتداء على اختصاصات باقي السلطات.
3/ يعاب على قانون المحكمة العليا أنه جعل التعيين لمدة مؤقتة وهي ثلاث سنوات قابلة للتجديد؛ ومن ثم فيمكن عن طريق التجديد أو عدمه، التأثير على اتجاهات المحكمة. وفي هذا الصدد فإن قضاة المحكمة العليا في أمريكا يعينون مدى الحياة، أما في إيطاليا فيعينون لمدة تسع سنوات، ونرى أن الأسلوب الأمريكي أفضل لاستقلالية أعضاء المحكمة.


المطلب الثالث
اختصاصات المحكمة العليا

حددت المادة الرابعة من القانون 81 لسنة 1969 بشأن إنشاء المحكمة العليا، اختصاصات المحكمة فيما يلي:
أ/ الفصل في دستورية القوانين إذا دفع بعدم دستورية قانون أمام إحدى المحاكم.
ولا يعني ذلك أن كل دفع بعدم دستورية نص أو قانون، يستتبع وقف الدعوى الأصلية وإحالة الدفع إلى المحكمة العليا، وإنما لكل محكمة حق بحث هذا الدفع والتأكد من جديته وأن الفصل في مدى دستوريته لازم للفصل في الدعوى الأصلية، فإذا تأكدت المحكمة التي تبحث الموضوع مما تقدم فإنها تحدد موعداً يستطيع خلاله من دفع بعدم دستورية القانون أن يرفع دعواه أمام المحكمة العليا، فإن لم ترفع الدعوى في الميعاد الذي حددته محكمة الموضوع اعتبر الدفع كأن لم يكن. وبينت المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة العليا الحكمة من قصر هذا الاختصاص على المحكمة العليا بقولها "أن المشرع قصر ولاية الفصل في دستورية القوانين على المحكمة العليا دون سواها حتى لا يترك أمر البت في مسألة على هذا القدر من الخطورة للمحاكم على مختلف مستوياتها حسبما جرى عليه العرف القضائي في الجمهورية العربية المتحدة وحتى لا تتباين وجوه الرأي فيه".



ب- تفسير النصوص القانونية تفسيراً ملزماً:
وتقوم المحكمة بهذا الاختصاص عندما يطلب منها ذلك عن طريق وزير العدل، إذا رأى أن هناك نصاً غامضاً أو مختلف في تفسيره أو بسبب أهمية النص ذاته، ومن شأن هذا الاختصاص أن يرسي القواعد القانونية على أسس واضحة وثابتة وكذلك ضماناً لوحدة التطبيق القضائي والتفسير هنا ملزم في مواجهة جميع هيئات الدولة.

ج- الفصل في طلبات وقف تنفيذ الأحكام الصادرة من هيئات التحكيم المشكلة للفصل في منازعات الحكومة والقطاع العام:
وذلك متى كان من شأن تنفيذ هذه الأحكام الأضرار بالخطة الاقتصادية العامة للدولة أو الإخلال بسير المرافق العامة.

د- الفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء المختلفة:
وذلك سواء كان التنازع إيجابياً بمعنى أن تدعي كل جهة قضائية اختصاصها بنظر دعوى ما أو سلبياً بمعنى أن تدعي كل جهة قضائية بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وقد حلت المحكمة العليا في هذا الاختصاص محل محكمة تنازع الاختصاص التي كانت تشكل من أعضاء من محكمة النقض وأعضاء من المحكمة الإدارية العليا.


المطلب الرابع
اتجاهات المحكمة من خلال أحكامها

في الحقيقة لم يرد لهذه المحكمة أن تقوم بدور حقيقي كحارس طبيعي للحقوق والحريات، كما أسلفنا في موضعه، وبدأت المحكمة عملها بعد صدور القانون رقم 66 لسنة 1970 بشأن الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا وذلك في 25 أغسطس 1970؛ ولكن الظروف السياسية التي أحاطت بالبلاد في هذه الفترة كانت سبباً مخلصاً للمحكمة مما أرادته الحكومة منها، حيث توفى الرئيس عبد الناصر وجرى صراع حول السلطة (عرف بثورة التصحيح) واتخذ النظام الجديد من الديمقراطية شعاراً له، بل وتضمن الدستور الدائم والصادر في 12 سبتمبر 1971 نصوصاً عديدة تحمي الحقوق والحريات، وكان ذلك كافياً للمحكمة العليا حتى تقوم بمهمتها الحقيقية النبيلة، غير أنها ونظراً للظروف السائدة، كانت تتحسس في أحكامها وتبالغ في حرصها.
ومن ثم فقد قضت في 35 دعوى قضائية دستورية- للفصل في دستورية نص قانوني- وذلك بدءً من جلسة 6 مارس 1971 حتى جلسة الأول من أبريل 1978، وذلك بجانب اختصاصاتها الأخرى، وقد تعرضت المحكمة لثلاث نقاط هامة في القضايا التي عرضت عليها وفصلت فيها وهي: أولاً: امتداد ولاية المحكمة لجميع التشريعات حتى تلك التي نص على تحصينها من الرقابة عليها، وقد قررت المحكمة امتداد ولايتها إلى جميع التشريعات التي سبقت وجودها حتى تلك التي نصت بعض الدساتير الثورية على تحصينها من الرقابة عليها وذلك في باكورة أحكامها وفي أول جلساتها التي عقدت يوم 6 مارس في القضية رقم 3 لسنة 1 ق. د.
وتقول المحكمة في هذا الحكم: [وحيث أن المادة 166 من الدستور المؤقت لعام 1964 تنص على أن "كل ما قررته القوانين والقرارات والأوامر واللوائح من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقى نافذاً، ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في هذا الدستور "وقد تردد هذا النص بمدلوله ومعناه مع اختلاف يسير في صياغته في الدساتير المتعاقبة منذ دستور 1923 ومنها الدستور الصادر عام 1956 الذي تضمن نصين لكل منها مجال يختلف عن مجال الآخر، أولهما نص المادة 190 منه وهو مطابق لنص المادة 166 من الدستور الذي تقدم ذكره، والثاني نص المادة 191 الذي يقضي بأن "جميع القرارات التي صدرتمكملة أو منفذة لها وكذلك كل ما صدر من الهيئات التي أمر المجلس المذكور بتشكيلها من قرارات أو أحكام وجميع الإجراءات والأعمال والتصرفات التي صدرت من هذه الهيئات أو من أية هيئة أخرى من الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة ونظام الحكم لا يجوز الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه وأمام أي هيئة كانت "وظاهر من هذين النصين أن لكل منهما مجالاً يختلف عن مجال الآخر، وأن المشرع لم يلتزم في دستور سنة 1956 موقفاً واحداً من التشريعات السابقة على تاريخ العمل به، بل غاير بينهما فيما أسبغ عليهما من الحماية، فأتخذ بالنسبة إلى بعضها موقفاً اقتضته ضرورة تحصين التشريعات والتدابير والإجراءات الثورية الاستثنائية التي اتخذت في ظروف لا تقاس فيها الأمور بالمقياس العادي وذلك بالنص على عدم جواز الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت. بينما أتخذ بالنسبة إلى سائر التشريعات الأخرى أسلوباً آخر ينطوي على حماية أدنى من تلك التي أسبغها على التشريعات الثورية، وذلك بالنص على بقائها نافذة مع إجازة تعديلها أو إلغائها وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور.
وهذه المغايرة التي قصد إليها المشرع عند تحديد موقفه من التشريعات السابقة على الدستور قاطعة في الدلالة على أنه إذ تناول التشريعات السابقة على الدستور في نصين مختلفين في دستور واحد فإن ذلك يعني أن كلاً منهما يقرر حكماً يختلف عما يقرره الآخر وأنه إن إنما يستهدف تحصين التشريعات التي حددها على سبيل الحصر في المادة 191 منه دون غيرها من التشريعات التي وقف بالنسبة لها عند حد النص على استمرار نفاذها وذلك تجنباً لحدوث فراغ تشريعي يؤدي إلى الاضطراب والفوضى والإخلال بسير المرافق العامة والعلاقات الاجتماعية إذا سقطت جميع التشريعات المخالفة للدستور فور صدوره، ولو أن المشرع أراد أن تحصن التشريعات السابقة على الدستور ضد الطعون القضائية لأفصح عن ذلك في نص واحد عام يتناولها كافة ولم يكن في حاجة إلى إيراد نص آخر في ذات المعنى وذات الموضوع، ومن حيث أن المشرع اجتزأ بنقل المادة 160 من دستور سنة 1956 إلى المادة 166 من دستور سنة 1964 ولم ينقل المادة 191 من ذلك الدستور التي استنفذت أغراضها إذ أسبغت على الثورية الاستثنائية التي صدرت منذ قيام الثورة حتى عام 1964 حصانة نهائية لا مبرر لها ولا مسوغ لتكرار النص عليها، ولا ريب أنه لا يعني بنص المادة 166 الحالية غير ما عناه بأصلها الوارد في المادة 190 من دستور سنة 1956 وهو مجرد نفاذ التشريعات السابقة على الدستور دون تحصينها ضد الطعون بعدم دستورية شأنها في ذلك شأن التشريعات التي تصدر في ظل الدستور القائم].
ثانياً: التوسع في تحديد مفهوم القانون التي تمارس عليه رقابتها:
توسعت المحكمة العليا في تحديد مفهوم القانون الذي تمارس عليه رقابتها ليشمل المعني الموضوعي للقانون بمعنى أن تتسع الرقابة على دستورية القوانين، للتشريعات الصادرة من السلطة التشريعية واللوائح والقرارات التنظيمية الصادرة من السلطة التنفيذية كذلك، وجرى ذلك التحديد الواسع في بداية عمل المحكمة وفي سنتها القضائية الأولى في الدعوى رقم 4 بجلسة 5 يونيو 1971 حيث قضت بما يلي:
[ومن حيث أن رقابة دستورية القوانين تستهدف صون الدستور وحمايته من الخروج على أحكامه باعتباره القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي الأصول والقواعد التي يقوم عليها نظام الحكم؛ ولما كان هذا الهدف لا يتحقق على الوجه الذي يعنيه المشرع في المادة الرابعة من قانون إنشاء المحكمة وفي مذكرته الإيضاحية إلا إذا انبسطت رقابة المحكمة على التشريعات كافة، على اختلاف أنواعها ومراتبها سواء أكانت تشريعات أصلية صادرة من الهيئة التشريعية أو كانت تشريعات فرعية صادرة من السلطة التنفيذية في حدود اختصاصها الدستوري.
ذلك أن مظنة الخروج على أحكام الدستور قائمة بالنسبة إليها جميعاً، بل إن هذه المظنة أقوى في التشريعات الفرعية منها في التشريعات الأصلية التي يتوفر لها من الدراسة والبحث والتمحيص في جميع مراحل أعدادها مالا يتوافر للتشريعات الفرعية التي تمثل الكثرة بين التشريعات؛ كما أن منها ما ينظم حرية المواطنين وأمورهم اليومية مثل لوائح الضبط ويؤيد هذا النظر أن التشريعات الفرعية (كاللوائح) تعتبر قوانين من حيث الموضوع وإن لم تعتبر كذلك من حيث الشكل لصدروها من السلطة التنفيذية، وهذه الوسيلة أكثر ملائمة لمقتضيات أعمال السلطة التنفيذية وتطورها المستمر ولو انحصرت ولاية المحكمة عن رقابة التشريعات الفرعية لعاد أمرها كما كان إلى المحاكم وأهدرت الحكمة التي تغياها المشرع بإنشاء المحكمة العليا والتي أفصحت عنها المذكرة الإيضاحية لقانون إنشائها كي تحمل دون سواها رسالة الفصل في دستورية القوانين].
ثالثاً: توسع المحكمة في تحديد مفهوم التفويض التشريعي وحق البرلمان فيه:
الأصل أن لكل سلطة من السلطات العامة مجال عملها الذي حدده الدستور فلا يجوز لها أن تتعداه، بمعنى أن التشريع وصناعته وإصداره ومناقشته يعد عملاً من صميم اختصاصات السلطة التشريعية، بيد أن حق البرلمان في تفويض بعض اختصاصاته التشريعية للسلطة التنفيذية يثير جدلاً علمياً وفقهياً واسع النطاق، ومع ذلك فإن الدساتير المصرية المتعاقبة دأبت على إمكانية التفويض التشريعي، بمعنى أن يصدر البرلمان قانوناً يتنازل بمقتضاه عن حقه في التشريع في أمور معينة للسلطة التنفيذية ومن ذلك المادة 120 من دستور 1964 إذ قالت: لرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية وبناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة للقانون" .
واستناداً إلى هذا النص الدستوري أصدر مجلس الأمة القانون رقم 15 لسنة 1967 بتفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة للقانون، ونص هذا القانون في مادته الأولى على أن: "يفوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون خلال الظروف الاستثنائية القائمة في جميع الموضوعات التي تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربي والاقتصاد الوطني وبصفة عامة في كل ما يراه ضرورياً لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية".
ووفقاً لهذا النص الواسع فقد أصدر الرئيس مجموعة من القرارات لها قوة القانون تتعلق جميعها بالسلطة القضائية مثل القرار 81 لسنة 1969 بشأن إنشاء المحكمة العليا وما تلاه من قرارات على نحو ما أسلفنا في موضعه، وبمناسبة بدء المحكمة العليا لأعمالها في الرقابة على دستورية القوانين، فقد دفع بعدم دستورية معظم هذه القرارات بقوانين ومن ثم أثيرت مسلة التفويض التشريعي أمام هذه المحكمة، وقد قضت المحكمة في هذا الموضوع في دعويين الأولى وهي الدعوى رقم 1 لسنة 3 ق بجلسة 3 نوفمبر 1973، والثانية في الدعوى رقم 9 لسنة 4 ق.ع بجلسة 5 إبريل 1975 وفيها تقول: "إن القانون رقم 15 لسنة1967 قد صدر بناء على اقتراح تقدم به بعض أعضاء مجلس الأمة في 29 مايو 1967، وقد بني هذا الاقتراح على أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تقتضي تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون كي يمارس هذه السلطة بالسرعة والحسم الكفيلين بحماية أمن الدولة وسلامتها وضماناً لتعبئة إمكانياتها البشرية والمادية ودعماً للمجهود الحربي وللاقتصاد الوطني، ومن حيث الظروف الاستثنائية التي أشار إليها هذا الاقتراح أنها كانت تنذر باندلاع الحرب بين مصر وإسرائيل وتعرض البلاد لخطر يهدد كيانها وأمنها وسلامتها؛ وقد نشبت الحرب فعلاً عقب صدور قانون التفويض ببضعة أيام أي أنه صدر في ظروف تبرره".
وواصلت المحكمة تأصيلها لحق البرلمان في التفويض التشريعي بقولها: [ومن حيث أن عدم تحديد القانون رقم 15 لسنة 1967 للمدة التي يجري فيها التفويض بوحدة أو أكثر من وحداتقياس الزمن، لا يعني خلوه من أي تحديد لتلك المدة! ذلك أنه قد تضمن ضابطاً يمكن على أساسه تحديدها وهو قيام الظروف الاستثنائية التي حدت بمجلس الأمة إلى تفويض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات لها قوة القانون في الموضوعات التي فوض فيها، وقد كشفت الأعمال التحضيرية لهذا القانون عن علة تحديد مدة التفويض على ذلك الوجه، ذلك أنه عندما عرض مشروع القانون على مجلس الأمة بجلسة 29 مايو 1967 دارت مناقشة حول تحديد مدة التفويض فقال رئيس مجلس الأمة أن المدة حددت بأنها (خلال الظروف الاستثنائية القائمة) وأنه فضلاً عن ذلك وكما هو واضح فإن تحديد وقت معين لمباشرة هذه الصلاحيات أمر صعب، وغاية في الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلاً لأن المعركة متحركة متأرجحة تتغير بين يوم وآخر وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الظروف قد تنتهي في أشهر وقد تنتهي في أسابيع، فليس ممكناً تحديدها؛ ويكفي أن تحدد بأنها لظروف استثنائية- وهي قائمة – وربط التفويض بتلك الظروف بحيث يدور معها وجوداً أو عدماً، هذا الربط ينطوي على تحديد لمدة التفويض تنتفي معه مخالفة الدستور في هذا الصدد].
وتواصلت المحكمة في إبراز حجتها في الدفاع عن قانون التفويض، ولعل السبب في ذلك أن قانون إنشاء المحكمة العليا قد صدر بناء عليه، فتقول: [إن النعي على القانون رقم 15 لسنة 1967 بمخالفة الدستور لخلوه من الأسس التي تقوم عليها الموضوعات التي فوض رئيس الجمهورية في إصدار قرارات بشأنها؛ هذا النعي مردود بأن الأسس المذكورة مستفادة من نص القانون وأعماله التحضيرية والظروف التي صدر خلالها والأهداف التي قصدت السلطة التشريعية إلى تحقيقها عن طريق التفويض، حيث قرر القانون قيداً أساسياً يقيد السلطة التنفيذية فيما تصدره من قرارات بقوانين، هو أن تكون تلك القرارات ضرورية لمواجهة الظروف الاستثنائية؛ وقد أكدت الأعمال التحضيرية للقانون أن هذا القيد هو أساس التفويض ولتمكين رئيس الجمهورية من ممارسة الاختصاص الذي فوض فيه، لعلة ظاهرة وهي عجز الإجراءات التشريعية العادية بسبب طولها وبطئها عن مواجهة تلك الظروف بما تقتضيه مواجهتها من سرعة وحسم].
وأخيراً فإننا نستعرض فيما يلي أحكام المحكمة العليا، والتي قضت فيها بعدم الدستورية وهي:
1- عدم دستورية المادة 60 من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام، الصادر بقرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسن 1966 فيما تضمنته من تعديل قواعد اختصاص جهات القضاء.
الدعوى رقم 4 لسنة 1 ق. جلسة 3/7/1971.
2- عدم دستورية المادة 12 من قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 بعد تعديلها بالقرار بقانون رقم 31 لسن 1963 فيما تضمنته من اعتبار القرارات الصادرة من رئيس الجمهورية بإحالة الموظفين إلى المعاش أو الاستيداع من أعمال السيادة.
الدعوى رقم 2 والدعوى رقم 6 لسنة 1 ق. جلسة 6/11/1971.
3- عدم دستورية المادة الخامسة من القانون رقم 46 لسنة 1964 بشأن تمديد إيجار الأماكن فيما تضمنته من عدم جواز الطعن في قرارات مجلس المراجعة.
الدعوى رقم 5 لسنة 1 ق. جلسة 4/12/1971.
4- عدم دستورية المادة 69 والمادة 117 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 116 لسنة 1964 بشأن المعاشات والمكافآت للقوات المسلحة فيما تضمنتاه من تحصين قرارات اللجان المنصوص عليها فيهما من أي طعن أمام أية جهة قضائية.
الدعوى رقم 3 لسنة 4 ق. جلسة 13/4/1974.
5- عدم دستورية المادة الأولى من القرار الجمهوري رقم 99 لسنة 1963 فيما تضمنته من عدم قبول الطعن في الأعمال والتدابير التي اتخذتها الجهة القائمة على تنفيذ الأوامر الصادرة بفرض الحراسة.
الدعوى رقم 5 لسنة 5 ق. جلسة 3/7/1976.
6- عدم دستورية المادة 134 من القانون رقم 159 لسنة 1964 بشأن نظام المخابرات العامة فيما تضمنته من عدم سماع دعوى الإلغاء بالنسبة إلى أفراد المخابرات العامة.
7- عدم دستورية المادة التاسعة من القانون رقم 80 لسنة 1947 بشأن تنظيم الرقابة على عمليات النقد فيما نصت عليه من أنه في حالة عدم الأذن برفع الدعوى يجوز لوزير المالية أو مندوبه مصادرة المبلغ موضوع المخالفة وذلك اعتباراً من تاريخ نفاذ الدستور الدائم في 12/9/1971 حيث حظر المصادرة الخاصة.
الدعوى رقم 3 لسنة 8 ق 40 جلسة 4/3/1978.
8- عدم دستورية المادة الأولى من القانون رقم 119 لسنة 1964 قبل تعديلها بالقانون رقم 59 لسنة 1968 فيما تضمنته من النص على أنه: لا يجوز الطعن في قرارات رئيس الجمهورية الصادرة وفقاً للقانون سالف الذكر وعدم دستورية المادة الأولى مكرر والتي خولت لرئيس الجمهورية حق اعتقال أي شخص دون توجيه أية تهمة إليه.
الدعوى رقم 5 لسنة ق 40، جلسة 1/4/1978.

التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس: ذكر

تاريخ التسجيل: 03/03/2010

عدد المساهمات: 17167

نقاط: 12646430

%إحترامك للقوانين 100

العمر: 25

الأوسمه:




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: رد: دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان   السبت أكتوبر 08, 2011 8:03 pm

خيارات المساهمة


المطلب الثاني
اختصاصات المحكمة الدستورية العليا

تحددت اختصاصات المحكمة الدستورية العليا عن طريق الدستور في مادته رقم 175 التي تنص على أن: تتولى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها، الرقابة على دستورية القوانين واللوائح، وتتولى تفسير النصوص التشريعية وذلك كله على الوجه المبين في القانون، ويعين القانون الاختصاصات الأخرى للمحكمة وينظم الإجراءات التي تتبع أمامها.
أما القانون رقم 48 لسنة 1979 بشأن المحكمة الدستورية العليا فقد حدد اختصاصات هذه المحكمة في مادتين كما يلي:
المادة 25 منه وتنص على أن:
تختص المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بما يأتي:
أولاً: الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح.
ثانياً: الفصل في تنازع الاختصاص بتعيين الجهة المختصة من بين جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي؛ وذلك إذا رفعت الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين منهما ولم تتخل إحداهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها.
ثالثاً: الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائين متناقضين صادر إحداهما من أية جهة من جهات القضاء والآخر من جهة أخرى منها.
أما المادة 26 منه فتنص على أن:
تتولى المحكمة الدستورية العليا تفسير نصوص القوانين الصادرة من السلطة التشريعية والقرارات بالقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام الدستور وذلك إذا أثارت خلافاً في التطبيق وكان لها الأهمية ما يقتضي توحيد تفسيرا.
وفي ضوء النص الدستوري والنص التشريعي فإن للمحكمة الدستورية العليا أربعة اختصاصات هي:
1- الرقابة على دستورية القوانين واللوائح (دستور+ قانون).
2- الفصل في تنازع الاختصاص (قانون).
3- الفصل في النزاع بشأن حكمين نهائيين متناقضين صادرين من جهتي قضاء مختلفتين وأيهما أولى بالتنفيذ (قانون).
4- تفسير النصوص التشريعية تفسيراً ملزماً تلتزم به كافة الجهات (دستور+ قانون) وإذا كانت هذه هي اختصاصات المحكمة الدستورية العليا وفقاً لأحكام الدستور ولأحكام قانون إنشاؤها فإن التساؤل يطرح نفسه حول محورين متكاملين:
أولهما: ماهية التشريعات الخاضعة للرقابة الدستورية؟
ثانيهما: كيفية تحريك الدعوى الدستورية؟
وسنتولى الإجابة عن هذين التساؤلين في فرعين كما يلي:

الفرع الأول
التشريعات الخاضعة للرقابة الدستورية

إذا كان الدستور والقانون قد حددا اختصاص المحكمة الدستورية العليا برقابة دستورية التشريعات واللوائح أو ما يمكن أن نسميه الاختصاص القضائي للمحكمة، فإن التشريعات ذاتها تتنوع ما بين تشريع عادي يصدر من السلطة التشريعية وتشريع مكمل للدستور يتوجب عرضه على مجلس الشورى قبل إقراره وفقاً للمادة 195 من الدستور الدائم، وتشريع ملغي أي صدر ثم ألغته المحكمة الدستورية العليا؛ وتشريع استفتائي أي تم إصداره عن طريق الاستفتاء الشعبي والمعاهدات الدولية التي صدقت عليها السلطات ونشرتها في الجريدة الرسمية ومن ثم تصبح جزءً من التشريع الوطني (م 151 من الدستور) وأخيراً التشريعات الصادرة قبل العمل بالدستور الدائم، وهناك كذلك اللوائح العادية واللوائح الاستثنائية. وتختص المحكمة الدستورية وفقاً للنص الدستوري برقابة دستورية كافة أنواع القوانين السابقة. فرقابة المحكمة تتسع لتشمل التشريع بالمعنى الواسع (الموضوعي) وهو ذات ما قضت به المحكمة العليا في أحد أحكامها كما أسلفنا رغم خلو قانونها مما يشير إلى ذلك.
ولكن ماذا عما لا يصلح محلاً للرقابة القضائية ولا تمتد إليه ولاية المحكمة الدستورية العليا؟

أولاً: الدستور:
رغم أن الدستور يعتبر في معناه الدقيق قانوناً بل هو القانون الأساسي أو قانون القوانين والقانون الأسمى. بيد أنه لا يصلح أن يكون محلاً للرقابة الدستورية على الرغم من أنه في مجال تفسير القوانين قدم وزير العدل طلباً إلى المحكمة العليا بتفسير المادة 94 من الدستور مما يجعل تفسير المحكمة لهذا النص الدستوري ملزماً للجميع؛ على أن المحكمة الإدارية العليا قضت بجلسة 19 إبريل 1977 في الدعوى رقم 340 لسنة 23 قضائية: بأن القرار التفسيري الصادر من المحكمة العليا لا يكون ملزماً إلا إذا كان صادراً بشأن تفسير القوانين وليس بشأن تفسير الدستور.
ثانياً: الأعمال السيادية:
وهي طائفة من الأعمال التي تقوم بها الحكومة (السلطة التنفيذية) وتنحصر عنها ولاية القضاء عموماً بما فيه القضاء الدستوري مثل إعلان حالة الطوارئ، وغيرها حيث أن أعمال السيادة تتصل بسيادة الدولة وأمنها الداخلي والخارجي ولا تقبل بطبيعتها أن تكون محلاً لدعوى قضائية ومن ثم تخرج عن ولاية القضاء، وترتكز نظرية أعمال السيادة على فكرة أن السلطة التنفيذية تتولى وظيفتين، أولهما بوصفها سلطة حكم والأخرى باعتبارها سلطة إدارة. وتلك النظرية من ابتكار مجلس الدولة الفرنسي ليتجنب في بعض المسائل ذات الحساسية الخاصة للصدام مع السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو ذات النهج التي اتبعه القضاء الإداري المصري ومن بعده القضاء الدستوري وبذلك قضت المادة 17 من قانون السلطة القضائية.
ثالثاً: الأعمال السياسية:
وتلك النظرية من اختراع القضاء الدستوري الأمريكي لذات السبب الذي ابتكر من أجله مجلس الدولة الفرنسي نظرية أعمال السيادة، ونظرية الأعمال السياسية نظرية مرنة واسعة وغير منضبطة واتخاذها وسيلة لحجب الرقابة القضائية على دستورية القوانين أمر خطير ذلك أن التنظيم الدستوري هو بطبيعته تنظيم للنظام السياسي للدولة ولهيكلتها ولسلطاتها وحقوق وحريات الأفراد وواجباتهم وكلها أمور له وجه سياسي ظاهر وقد أخذت المحكمة العليا بنظرية الأعمال السياسية في حكمها الصادر يوم 5/4/1975 بقولها: إن ما يثيره المدعون من طعن في دستور 1958 وفي دستور 1964 وفي إجراءات إصدارهما وما أنطوي عليه هذان الدستوران من تحديد أو إغفال تحديد مدة رئاسة رئيس الجمهورية، هذا الطعن يتناول مسائل سياسية لا يدخل النظر فيها أو التعقيب عليها في ولاية هذه المحكمة التي يقتصر اختصاصها في شأن رقابة الدستورية على الفصل في دستورية القوانين وفقاً لما تقضي به المادة الأولى من قانون إنشائها".

الفرع الثاني
طرق تحريك الدعوى الدستورية

تنص المادة 29 من القانون رقم 48 لسنة 1979 بشأن المحكمة الدستورية العليا على أن: تتولى المحكمة الدستورية العليا الرقابة على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي:
أ/ إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوي عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع؛ أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسالة الدستورية.
ب/ إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة جدية الدفع، أجلت الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن.
أما المادة رقم 27 من ذات القانون فإنها تنص على أن:
يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصها ويتصل بالنزاع المطروح عليها بعد اتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعوى الدستورية.
وتظهر النصوص آنفة الذكر أن المشرع حصر طرق تحريك الدعوى الدستورية عن طريق ثلاث قنوات هي:


1- الإحالـــــة:
وتعني الإحالة قيام محكمة الموضوع- المثار أمامها نزاع قضائي من أي نوع- من تلقاء نفسها بإحالة أوراق الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية نص قانوني أو قانون يكون لازماً للفصل في الدعوى؛ وتكون إحالة الأوراق إلى الأخيرة بغير رسوم. ويتعين حتى تكون الإحالة مقبولة أمام المحكمة الدستورية العليا أن يتضمن القرار الصادر بها، النص التشريعي أو النصوص التشريعية التي تعتقد محكمة الموضوع أنه غير دستوري، كما يتعين عليها أن تبين النص الدستوري المدعي بمخالفته وأوجه تلك المخالفة وإلا كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة (م30) وتلتزم بقضاء المحكمة الدستورية العليا وعليها أن تطبق النص المطعون بعدم دستوريته على النزاع المطروح عليها إذا قضت المحكمة بدستورية وهي الطريقة التي استخدمت مع القانون رقم 153 لسنة 1999 بشأن الجمعيات الأهلية ومن ثم قضى بعدم دستوريته في 3/6/2000.
2- الدفـــــع:
وهو الطريقة الأكثر شيوعاً في تحريك الدعوى الدستورية وتعني أن هناك نزاعاً موضوعياً مطروحاً أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، وفي أثناء سير الدعوى يدفع أحد الخصوم بعدم دستورية النص أو النصوص أو القانون ككل المطلوب تطبيقه عليه.. فإذا ما تم الدفع فعلى محكمة الموضوع أن تقدر جدية الدفع المبدي أمامها؛ ولم يضع المشرع معياراً لقياس جدية الدفع وترك الأمر لمحكمة الموضوع أن تقدره. وجماع الأمر في جدية الدفع أولاً: أن يكون الفصل في المسألة الدستورية التي أثارها الدفع لازماً للفصل في الدعوى الموضوعية المطروحة على محكمة النزاع الأصلي التي أثير أمامها الطعن بعدم الدستورية.
ثانياً: أن يكون هناك شك لدى قاضي الموضوع حول دستورية النص أو النصوص المدفوع بعدم دستوريتها (60). فإذا تراءى للمحكمة جدية الدفع المبدي أمامها بعدم دستورية نص أو نصوص في قانون أو لائحة فإنها تقضي بتأجيل نظر الدعوى إلى أجل تحدده، كما تحدد في ذات الوقت لمن أثار الدفع أجلاً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع دعواه أمام المحكمة الدستورية العليا. فإذا لم يقم صاحب الشأن برفع الدعوى في الأجل المحدد أعتبر دفعه كأن لم يكن واستأنفت محكمة الموضوع سيرها في نظر الدعوى.
أما إذا قام صاحب الشأن برفع دعواه الدستورية بعد الأشهر الثلاثة فإن المحكمة الدستورية العليا تقضي بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الموعد الذي تعتبره ميعاداً حتمياً لا يجوز تجاوزه.

3- التصــــدي:
كما أشار نص المادة 27 من القانون 48 لسنة 1979 بشأن المحكمة الدستورية العليا؛ فمن حقها أن تتعرض لدستورية نص في قانون أو لائحة من تلقاء نفسها دون أن يطلب منها ذلك بأيٍ من الطريقتين السابقتين؛ شريطة أن يكون ذلك بمناسبة ممارسة اختصاصاتها في أحد الدعاوي المعروضة عليها، وكان النص محل النظر متصلاً بالمنازعة المطروحة عليها ولازماً للفصل فيها.
وتعتبر هذه الطريقة صورة من طريقة الإحالة؛ فإذا كان لمحكمة الموضوع أن تحيل إلى المحكمة الدستورية العليا- دون طعن من الخصوم- نصاً يطلب منها تطبيقه، وتراءى لها عدم دستورية، لتنظر المحكمة العليا في مدى دستوريته؛ إذا كان ذلك بنص المادة 29 فقرة واحد، حق لأي محكمة، فإنه من باب أولى يكون من حق المحكمة الدستورية صاحبة الاختصاص، وفي الحالة الأولى يسمى"إحالة" وفي الحالة الثانية يسمى "تصدي".
وأخيراً يتعين أن نتناول هنا شروط قبول الدعوى الدستورية وهي ذات شروط قبول الدعاوي العادية ويمكن إجمالها في شروط ثلاثة هي المصلحة والصفة والأهلية على أن شرط المصلحة يختلف في الدعاوي الدستورية ومن ثم تعتبر له خصوصية على النحو التالي.

شرط المصلحة:
وقد حددت المحكمة الدستورية هذا الشرط في حكمها في الدعوى رقم 10 لسنة 13 ق. د بجلسة 7/5/1994 حيث قالت: [وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مفهوم المصلحة الشخصية المباشرة- وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية- إنما يتحدد على ضوء عنصرين أوليين يحددان معاً مضمونها ولا يتداخل أحدهما مع الآخر أو يندمج فيه، وإن كان استقلالهما عن بعضهما البعض لا ينفي تكاملهما وبدونهما مجتمعين لا يجوز لهذه المحكمة أن تباشر رقابتها على دستورية القوانين واللوائح، أولهما: أن يقيم المدعي- وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص التشريعي المطعون عليه- الدليل على أن ضرراً واقعياً- اقتصادياً أو غيره- قد لحق به، ويجب أن يكون هذا الضرر مباشراً مستقلاً بعناصره ممكناً لإدراكه ومواجهته بالترضية القضائية، وليس ضرراً متوهماً أو نظرياً أو مجهلاً.
ثانيهما: أن يكون مرد الأمر في هذا الضرر إلى النص التشريعي المطعون عليه، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق على المدعي أصلاً؛ أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، فإن المصلحة الشخصية المباشرة تكون منتفية، وذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعاً لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه عند رفعها].
المبحث الرابع
الهجوم على المحكمة الدستورية العليا

أصدرت المحكمة الدستورية العليا منذ بداية عملها في جلسة السبت 16/5/1981 حتى جلسة 11/5/2003؛ 217 حكماً بعدم دستورية نصوص تشريعية سواء كان صادرة بقوانين أو بقرارات بقوانين أو لوائح وقرارات؛ وقضت فيما قضت بعدم دستورية قوانين بأكملها مثل قانون الجمعيات الأهلية رقم 153 لسنة 1999 وقانون الضريبة على مرتبات العاملين في الخارج؛ وذلك على النحو الآتي:
أولاً: أصدرت المحكمة 31 حكماً بعدم الدستورية في حقبة الثمانينيات.
ثانياً: أصدرت المحكمة 130 حكماً بعدم الدستورية في حقبة التسعينيات.
ثالثاً: أصدرت المحكمة 56 حكماً بعدم الدستورية في السنوات [2000- 2003].
وازدياد أعداد القضايا التي تقضي فيها المحكمة بعدم الدستورية يجد مرده في أمرين:
أحدهما طبيعي ويتمثل في زيادة الوعي بأهمية هذه المحكمة في ردع تغول كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية على أحكام الدستور ومن ثم على حقوق وحريات المواطنين وبالتالي حدثت معدلات زيادة في كم القضايا المعروضة على هذه المحكمة؛ بمعنى آخر بسيط ازدياد عدد القضايا التي تصل بإحدى الطرق الثلاث السابق عرضها إلى القضاء الدستوري المتمثل في الأساس في المحكمة الدستورية العليا، وهذه الزيادة تجد سببها في ارتفاع الوعي القانوني بقيمة وأهمية المحكمة في الزود على أحكام ونصوص الدستور والسهر على حمايته.
وثانيهما: خاص بالمحكمة ذاتها والتي اقتحمت مجالات لم تكن لتقتحمها قبل مطلع التسعينيات ووسعت من نطاق السهر على حماية الدستور- دون أية حسابات من جانبها- فقامت بوظيفتها خير قيام وتعتبر هذه الحقبة هي أغنى فترات وجود المحكمة الدستورية العليا.
ومما لاشك فيه أن كثيراً من أحكام المحكمة الدستورية العليا لا يصادف هويً ولا قبولاً لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ وقد يقع بسبب هذه الأحكام صدام فيما بينهما من جهة وبين المحكمة من جهة أخرى.
ولعل أكثر أحكام المحكمة إثارة للخلاف بينها وبين السلطتين الأخريتين:
1- الأحكام المتعلقة بالانتخابات وبمجلس الشعب مثل الحكم في الدعوى رقم 37 لسنة 9 ق.د في مايو 1990.
2- الأحكام المتعلقة بالنصوص الضريبية خاصة مع ما يترتب عليها من تحميل خزانة الدولة بدفع الضرائب التي تم تحصيلها من قبل.

وسنحاول الآن في إيجاز استعراض بعد المحاولات الهجومية على المحكمة الدستورية العليا:
بدأت شرارة الهجوم الأولى على المحكمة الدستورية العليا عن طريق الأستاذ الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب (السلطة التشريعية) وذلك في حديث أجراه بجريدة المصور الأسبوعية في عددها الصادر بتاريخ 15 مارس 1996؛ وقد عرض سيادته لعدد من النقاط أسست لانتقاده لأحكام الدستورية العليا وذلك على النحو التالي:
1- ارتكز رئيس مجلس الشعب في هجومه على المحكمة بفكرة أسماها "الأمن القانوني" وشرح هذه العبارة بقوله "هو استقرار القانون واستقرار المفاهيم القانونية التي يعتمد عليها المجتمع اعتماداً كلياً، فإذا فوجئت الناس بأن هذه المفاهيم القانونية خاطئة حدثت حالة من عدم الاستقرار القانوني؛ وخاصة أن هناك وجهة نظر ثانية جديرة بالاحترام تقول: إن معنى القانون قيمة في ذاتها لا يجوز التضحية بها".
ويرد د/ ثروت بدوي على الفكرة السابقة(61): إن المتسببين في صدور القوانين المخالفة للدستور هم الذين تجب مساءلتهم سواء كان السبب في ذلك هو جهل القائمين على التشريع بأحكام الدستور أو كان السبب هو التسرع في إعداد القوانين وعدم إجراء الدراسات الكافية حتى تكون تلك القوانين متفقة مع أحكام الدستور، أو كان السبب هو الرغبة في عدم الامتثال لأحكامه. ففي جميع هذه الأحوال يتمثل الحل في ضرورة الاختيار السليم والصحيح للأشخاص القادرين على فهم الدستور وصياغة التشريع صياغة سليمة تتفق وأحكام الدستور وقواعد الفن التشريعي.
كما يرد د/ عوض المر رئيس المحكمة الدستورية العليا بقوله (62): أنه يتعين الموازنة بين مصلحتين: بين استقرار نص قانوني معين وبين علو الدستور، أي المصلحتين ينبغي أن نرجحها، علو الدستور أم استقرار النص القانوني؟ ثم إن هناك شكاً كبيراً في القول بأن أحكام المحكمة تهدد استقرار النظام، ذلك أن أحكام المحكمة تقوم اعوجاجاً في القوانين القائمة، وتقويم الاعوجاج ليس إلا أداه لاستقرار النظام القانون، لأن النظام لا يستقر إلا على ضوء الشرعية وفي حماها، وأن كل ما تفعله المحكمة هو تنقية النصوص القانونية من شوائبها، وهي بذلك تتعاون مع السلطتين التشريعية والتنفيذية في إعلاء حكم الدستور.
2- وحاول رئيس مجلس الشعب توجيه المحكمة الدستورية العليا توجيهاً ينال رضى السلطتين التشريعية والتنفيذية بقوله: "ومن الخير تفسير النصوص بما يتواءم مع الدستور بدلاً من تفسيرها بما يصطدم مع الدستور". والحقيقة أنها مقولة توجيه وفي ذات الوقت عبارة نقد، فما تقوم به المحكمة هو تفسير النصوص في ضوء الدستور فعلاً وليس العكس.
ويرد د.سليم العوا على ذلك بقوله(63): هذا كلام عجيب من رجل من كبار ذوي المناصب القانونية، فعامة المشتغلين بالقانون يعرفون أن لتفسير النصوص القانونية أصولاً محددة ومناهج منضبطة يسلكها المفسر خطوة خطوة في منهج متساند ينتهي به القاضي إلى إعطاء النص معناه الذي تنبئ به عبارته في حدودها الطبيعية دون إفراط أو تفريط.
3- وينتهي رئيس مجلس الشعب إلى جوهر اقتراحه بقوله وجوب الأخذ بمبدأ الرقابة السابقة على دستورية القوانين حتى لا يقع ما اسماه بالإخلال بالأمن القانوني كما أشار إلى إمكانية عرض القانون على المحكمة الدستورية قبل إصداره.
وإذا سلمنا جدلاً بالاقتراح المذكور بشقيه فإن الرقابة السابقة وهي- كما ذكرنا- رقابة سياسية وهي رقابة تحقيق الملائمة التشريعية وفق ما تراه من تفسير للدستور في ضوء الاتجاه السياسي السائد. كما أن عرض التشريع قبل إصداره على المحكمة يجعل قضاتها غير صالحين لنظر الطعون بعدم دستورية القانون الذي عرض عليهم قبل إصداره.
ويضيف المستشار سعيد الجمل (64): أن الرقابة السابقة غير فعالة، ذلك أن دستورية أو عدم دستورية القانون لا تظهر إلا بعد تطبيقه حيث يجعل له هذا التطبيق كياناً حياً له وجود، وبذلك يمكن اكتشاف ما إذا كان دستورياً أو غير دستوري.
كما تدخل الأستاذ الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي (المدعي الاشتراكي ووزير العدل سابقاً) في الهجوم حيث وضع سؤالاً لطلبة السنة الأولى بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية في امتحان نهاية العام 1995/ 1996 ضمنه هجوماً صارخاً على المحكمة؛ وجرى نصه كالتالي:
أكتب في رقابة الدستورية مبيناً كيف أهدرت المحكمة الدستورية العليا في مصر أحكام الدستور والقانون. وما هو المخرج في مثل هذا الوضع إذ تكرر. وهل يجب أن تكون رقابة دستورية القوانين رقابة قانونية أم رقابة مزاجية. وهل تصبح مهمة المحكمة الدستورية العليا كفالة تطبيق الدستور المصري أم كفالة الدستور الأمريكي؟
هذا بجانب تكراره لهذه المعاني في مقالين بجريدة الأهرام في 17/6/1996، 1/7/1996 ويمكن إجمالي أوجه النقد في:
1- أن المحكمة العليا أهدرت أحكام الدستور والقانون.
2- أن المحكمة تراقب اتساق القوانين مع الدستور رقابة مزاجية.
3- أن المحكمة في أحكامها تطبق وتكفل تطبيق الدستور الأمريكي.
والواقع أن الهجوم بدأ على المحكمة العليا في أعقاب حكمها بعدم دستورية قانون انتخاب المجالس المحلية الصادر بجلسة 3 فبراير 1996 في الدعوى رقم 2 لسنة 16 ق.د وذلك فيما تضمنه من انتخاب عضو واحد في كل مجلس من المجالس المحلية بطريقة الانتخاب الفردي وانتخاب باقي أعضائه عن طريق القوائم الحزبية. أما الدكتور أبو زيد فقد بنى هجومه على حكم المحكمة في الدعوى رقم 37 لسنة 9 ق.د الصادر بجلسة 19/5/1990 والصاد بعدم دستورية المادة 5 مكرر من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب وذلك فيما تضمنته من أن يكون لكل دائرة عضو واحد يتم انتخابه عن طريق الانتخاب الفردي ويكون انتخاب باقي الأعضاء الممثلين للدائرة عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية، وذلك فيما قرره هذا الحكم من أثر رجعي ينسحب إلى بطلان عضوية أعضاء مجلس الشعب الذين تم انتخابهم وفقاً له وهذا ما جعل الفقيه آنف الذكر أن يزعم أن هذا الحكم أهدر الدستور والقانون معاً.
وفـي هـذا الهضـم أصدرت السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 بتعديل المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1978:

المادة 49 قبل التعديل

المادة 49 بعد التعديل

1-
أحكام المحكمة في الدعاوي الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة.
1-
نفس النص
2-
وتنشر الأحكام والقرارات المشار إليها في الفقرة السابقة في الجريدة الرسمية وبغير مصروفات خلال خمسة عشر يوماً على الأكثر من تاريخ صدورها.
2-
نفس النص
3-
ويترتب الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم.
3-
ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ما لم يحدد الحكم لذلك تاريخاً آخر. على أن الحكم بعدم دستورية نص ضريبي لا يكون له في جميع الأحوال إلا أثر مباشر، وذلك دون إخلال باستفادة المدعي من الحكم الصادر بعدم دستورية هذا النص.
4-
فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائي تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استناداً إلى ذلك النص كأن لم تكن. ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء مقتضياته.
4-
نفس النص.

وهذا التعديل يعني ببساطة شديدة ودون الدخول في تفاصيل فقهية معقدة وأمور فنية دقيقة أن أي نص ضريبي غير دستوري- متى قضت المحكمة بذلك- لا ينتج أثاره إلا بأثر مباشر محققاً مصلحة من قام برفع الدعوى وبالتالي يكون هذا القانون أو النص رغم عدم دستورية قد تحصن في مواجهة من طبق عليهم سابقاً ولم يلجأوا للدستورية العليا! وفي هذا ما فيه من مخالفة لطبيعة أحكام الدستورية باعتبارها أحكام كاشفة أي تكشف عوار النص القانوني من لحظة وجوده، وليست أحكاماً منشأة لقانون جديد أو عوار جديد؛ كما أن الأثر المباشر للحكم بهذا المعنى يخالف مبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور ويفرغ الرقابة الدستورية من كثير من فعاليتها.
وفي الواقع كانت المذكرة الإيضاحية لهذا القرار بقانون كاشفة عما يدور في كواليس السلطة من ضيق بأحكام المحكمة خاصة في مجال النصوص الضريبية فنجدها تقرر:
[وقد أدى الإطلاق في تطبيق قاعدة الأثر الرجعي لأحكام المحكمة- في غير المسائل الجنائية- إلى صعوبات متعددة في مجال التطبيق يندرج تحتها الإخلال بمراكز قانونية أمتد زمن استقرارها، وتحميل الدولة بأعباء مالية تنوء بها خزانتها بما يضعفها في مجال تحقيق مهامها التنموية والنهوض بالخدمات والمرافق العامة التي تمس مصالح المواطنين في مجموعهم.
وعلاجاً لمشكلات الإطلاق في تطبيق قاعدة الأثر الرجعي في مثل هذه الحالات التي كشفت عنها التجربة فقد رؤى تعديل حكم الفقرة الثالثة من المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 بما يكفل تحقيق الأغراض الآتية:
أولاً: تخويل المحكمة سلطة تقرير أثر غير رجعي لحكمها على ضوء الظروف الخاصة التي تتصل ببعض الدعاوي الدستورية التي تنظرها بمراعاة العناصر المحيطة بها، وقدر الخطورة التي تلازمها.
ثانياً: تقرير أثر مباشر للحكم بنص القانون إذا كان متعلقاً بعدم دستورية نص ضريبي ذلك أن إبطال المحكمة لضريبة بأثر رجعي مؤداه أن ترد الدولة حصيلتها التي أنفقتها- في مجال تغطية أعبائها- إلى الذين دفعوها من قبل........].

ثم أمعنت المذكرة الإيضاحية للقرار بقانون المذكور في الصراحة لتبرر أسباب صدور هذا القرار عن طريق رئيس الجمهورية، ولكنها في ذات الوقت باحت بالسبب الحقيقي والغرض من هذا التشريع حيث تقول: [ونظراً لأن كثيراً من الدعاوي المعروضة الآن على المحكمة الدستورية العليا تتعلق بنصوص ضريبية مطعون بمخالفتها للدستور، وكانت بعض الدعاوي الأخرى المطروحة عليها تثير خطورة قد تقدر المحكمة معها الحد من إطلاق الأثر الرجعي بشأنها، وكانت المحكمة تعقد جلساتها خلال أشهر الصيف جميعها، فإن الضرورة تقضي- وبالنظر إلى أن مجلس الشعب لن ينعقد في دور انعقاده العادي إلا خلال شهر نوفمبر- الإسراع بإصدار هذا التعديل في شكل قرار بقانون باعتباره تدبيراً لا يحتمل التأخير وذلك عملاً بنص المادة 147 من الدستور].
ويقول البعض(65) أن التعديل الجديد قد يعرض قضاة المحكمة الدستورية العليا لضغوط سياسية ذلك أن تقدير مسالة تنفيذ أحكام عدم الدستورية بأثر رجعي أو فوري عند نظر الدعاوي الخاصة بدستورية بعض القوانين الهامة، أمر سيخضع بلاشك لاعتبارات سياسية يقدرها القاضي نفسه، وهذا من شانه أن يرهق المحكمة في كل الأحكام. كما أنه سيتأثر دون شك بعلاقة المحكمة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية وأهواء ورغبات هاتين السلطتين.

وأياً ما كانت الأمور فإن القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 قد شابته عيوب شكلية وعيوب موضوعية، فمن حيث الشكل:
1- انتفاء حالة الضرورة التي تبرر صدور التشريعات عن طريق رئيس الجمهورية وفقاً للمادة 147 من الدستور.
2- باعتبار أن القرار بقانون خاص بالمحكمة الدستورية العليا، فهو قانون مكمل للدستور وفقاً للمادة 195 من الدستور ومن ثم يتوجب عرضه على مجلس الشورى وهو ما لم يحدث ومن ثم فهو قانون باطل وغير دستوري.
3- كما أن القرار بقانون سالف الذكر لم يعرض على مجلس الشعب لإقراره في المواعيد المقررة دستورياً.
ومن حيث الموضوع فالقرار بقانون يشتمل على مطاعن دستورية:
1- عدم دستورية تخويل المحكمة الدستورية العليا تحديد الأثر الرجعي لأحكامها.
2- عدم دستورية النص على الأثر المباشر للأحكام الصادرة بعدم دستورية نص ضريبي.
3- القرار بقانون يهدر مبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور.

وأخيراً فقد خطت السلطة التنفيذية في صيف 2001 خطوة أكثر خطورة إذ قامت بتعيين رئيس جديد للمحكمة الدستورية العليا من خارج أعضائها مصطحباً معه أربعة مستشارين جدد ولذلك لم يكن غريباً أن يبدأ منحنى جديد من هذا التوقيت في حياة المحكمة الدستورية العليا ويكفي أن نراجع حكمها في 7/7/2002 في الدعوى رقم 76 لسنة 22 ق.د [إذا كان تقدير قيام الضرورة لا يخضع لمعيار ثابت، وإنما يتغير بتغير الظروف، وكانت الظروف قد اقتضت الإسراع بإصدار القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998 لضرورات ملحة قوامها تحقيق توازن بين مصالح اقتصادية جوهرية للمجتمع واعتبارات العدالة، ومن ثم يكون رئيس الجمهورية إذ أصدر التشريع المذكور لم يجاوز سلطته في هذا الصدد].

التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس: ذكر

تاريخ التسجيل: 03/03/2010

عدد المساهمات: 17167

نقاط: 12646430

%إحترامك للقوانين 100

العمر: 25

الأوسمه:




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: رد: دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان   السبت أكتوبر 08, 2011 8:11 pm

خيارات المساهمة


الفصل الثالث
"ضمانات حقوق الإنسان"

في الواقع فإن سيادة حقوق الإنسان في مجتمع ما يرتبط دائماً بنظام ديمقراطي للحكم؛ فحقوق الإنسان وحرياته الأساسية تتولد وتحترم ويتمتع بها المواطنون في ظل الأنظمة الديمقراطية أو تلك التي تنتهج الديمقراطية طريقاً وسبيلاً.
فأينما وجدت الديمقراطية نجد حقوق الإنسان، فهما صنوان، وجهان لعملة واحدة؛ توأم سيامي لا يمكن فصلهما إلا بعملية جراحية قد تودي بأحدهما أو بكليهما وهو ذات المعنى الذي يتكرر في كثير من نصوص الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والتي قد تفرض في بعض الظروف- قيود- على عدد من الحقوق والحريات شريطة أن ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي؛ أو هو الحد الأدنى المقبول في الدول الديمقراطية، على حد تعبير المحكمة الدستورية العليا في كثير من أحكامها، وتلتزم الدساتير ببيان نظام الدولة وكذلك الضمانات القانونية للنظام الذي ارتضاه، وهذا ما يجب أن نتناوله في الصفحات التالية، كما يجب أن نتعرض لحق المشرع في تنظيم الحقوق الواردة في الدستور وحدود سلطته في هذا الشان وأخيراً نعرض لأهم الأسس والمبادئ التي أرستها المحكمة الدستورية العليا لحدود دورها في الرقابة الدستورية.
ومن ثم ينقسم في هذا الفصل إلى ثلاث مباحث كما يلي:

المبحث الأول
الضمانات القانونية للديمقراطية وحقوق الإنسان

مما لاشك فيه أن الدستور الدائم الصادر في 11 سبتمبر 1971 أرسى ضمانات يفهم منها نزوعها إلى حماية وإقرار النظام الديمقراطي- حتى ولو لم تأخذ للسلطة التنفيذية أو غيرها بها- فمن المسلمات القانونية أن علامات النظم الديمقراطية تتمثل في الآتي:
1- مبدأ سيادة القانون.
2- مبدأ الفصل بين السلطات.
3- مبدأ استقلال السلطة القضائية.
ربما تكون هذه المبادئ نظرية موجودة في صلب الدساتير ولكن هل توجد على ارض الواقع وهل تمثل فلسفة للنظام الحاكم وللمشرع؟ وما هو دور المحكمة بالنسبة لهذه المبادئ؟
المطلب الأول
مبدأ سيادة القانون

مبدأ سيادة القانون يعني خضوع جميع سلطات الدولة للقانون شأنها شأن الأفراد، الأمر الذي يعني عدم تحللها من أحكام القانون لتجعل من إرادتها ورغباتها القانون الأعلى.
وقد أفرد الدستور المصري بابه الرابع لهذا المبدأ تحت عنوان "سيادة القانون" وذلك في المواد من المادة 64 حتى 72 من الدستور.
وتنص المادة رقم 64 على أن:
سيادة القانون أساس الحكم في الدولة.
كما تنص المدة 65 على أن:
تخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات.
والدستور الدائم هو أول دستور مصري ينص على مبدأ سيادة القانون، حيث خلت الدساتير المصرية المتعاقبة منذ دستور 1882 حتى دستور 1964 من الإشارة أو النص إلى المبدأ، وغاية هذا المبدأ النهائية هو ضمان الدولة للحقوق والحريات وضمان عدم الاعتداء عليها أو الحيلولة دون ممارستها- من قبل المواطنين- بطريقة فعالة، ويبدأ المبدأ من احترام الدستور والخضوع له باعتباره القانون الأسمى الذي يعلو على ما عداه من تشريعات.
وفي بيان مضمون هذا المبدأ وأهميته ومظاهره تقول المحكمة الدستورية العليا:
أولاً(66): وحيث أن الدستور إذ نص في المادة 65 منه على خضوع الدولة للقانون وأن استقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات، فقد دل بذلك على أن الدولة القانونية هي التي تتقيد في كافة مظاهر نشاطها- وأياً كانت طبيعة سلطاتها- بقواعد قانونية تعلو عليها وتكون بذاتها ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها في أشكالها المختلفة، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد، ولكنها تباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها ولئن صح القول بأن السلطة لا تعتبر مشروعة ما لم تكن وليدة الإرادة الشعبية وتعبيراً عنها، إلا أن انبثاق هذه السلطة عن تلك الإرادة وارتكازها عليها لا يفيد بالضرورة أن من يمارسها مقيد بقواعد قانونية تكون عاصماً من جموحها وضماناً لردها على أعقابها إن هي جاوزتها متخطية حدودها، وكان حتماً بالتالي أن تقوم الدولة في مفهومها المعاصر- وخاصة في مجال توجهها نحو الحرية- على مبدأ مشروعية السلطة مقترناً ومعززاً بمبدأ الخضوع للقانون باعتبارهما مبدأين متكاملين لا تقوم بدونهما المشروعية في أكثر جوانبها أهمية،ولأن الدولة القانونية هي التي تتوافر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه وحرياته، ولتنظيم السلطة وممارستها في إطار من المشروعية، وهي ضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محوراً لكل تنظيم، وحداً لكل سلطة، ورادعاً ضد العدوان.
ثانياً(67): وحيث أن الدستور ينص في مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي اشتراكي، وفي مادته الرابعة على أن الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر العربية هو النظام الديمقراطي، وحيث أن مؤدى هذه النصوص- مرتبطة بالمادة 65 من الدستور- أنه في مجال حقوق المواطن وحرياته الأساسية، فإن مضمون القاعدة القانونية التي تسمو في الدولة القانونية عليها، وتتقيد هي بها، إنما يتحدد على ضوء مستوياتها التي التزمتها الدول الديمقراطية باطراد في مجتمعاتها، واستقر العمل بالتالي على انتهاجها في مظاهر سلوكها المختلفة، وفي هذا الإطار والتزاماً بأبعادها، لا يجوز للدولة القانونية في تنظيماتها المختلفة أن تنزل بالحماية التي توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام في الدول الديمقراطية، ولا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيوداً تكون في جوهرها أو مداها مجافية لتلك التي درج العمل في النظم الديمقراطية على تطبيقها، بل إن خضوع الدولة للقانون على ضوء مفهوم ديمقراطي مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة.
ونستطيع أن نقرر عدد من المبادئ الهامة بشأن مبدأ سيادة القانون في ضوء ما قررته المحكمة الدستورية العليا آنفاً:
1- السلطة الشرعية هي وليدة الإدارة الشعبية.
2- مبدأ سيادة القانون يعني تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم الأساسية.
3- مبدأ سيادة القانون يعني خضوع الدولة للقانون وتسليمها له.
4- مبدأ سيادة القانون يعني ألا تخل التشريعات القانونية بأي من حقوق الإنسان المضمونة في الدول الديمقراطية.
وتستطرد المحكمة الدستورية العليا في سرد أهمية مبدأ سيادة القانون (68):
وحيث أن المقرر أن مبدأ خضوع الدولة للقانون- محدد على ضوء مفهوم ديمقراطي- مؤداه ألا تخل تشريعاتها بالحقوق التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية، مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، ويندرج تحتها طائفة الحقوق الوثيقة الصلة بالحرية الشخصية بالنظر إلى مكوناتها وخصائصها، ومن بينها ألا تكون العقوبة مهينة في ذاتها، أو كاشفة عن قسوتها، أو منطوية على تقييد الحرية الشخصية بغير انتهاج الوسائل القانونية السليمة، أو متضمنة معاقبة الشخص أكثر من مرة عن فعل واحد، وهذه القاعدة الأخيرة التي كفلتها النظم القانونية جميعها، وصاغتها المواثيق الدولية باعتبارها مبدأ مستقر بين الدول مردها أن الجريمة الواحدة لا تزر وزرين، وأنه وإن كان الأصل أن يفرد المشرع لكل جريمة العقوبة التي تناسبها، إلا أن توقيعها في شأن مرتكبها واستيفائها، يعني أن القصاص قد اكتمل باقتضائها، وليس لأحد بعدئذ على فاعلها من سبيل.
ونستخلص مما سبق:
1/ ضرورة أن تتناسب العقوبة مع الجريمة وألا تكون قاسية أو مهينة.
2/ القواعد التي أقرتها المواثيق الدولية تمثل القواعد المستقرة بين الدول.
وتضيف المحكمة العليا في هذا الصدد ضمانة هامة لمبدأ سيادة القانون وهي مبدأ الرقابة على دستورية القوانين فتقول:
إن مبدأ الشرعية وسيادة القانون، وهو المبدأ الذي يوجب خضوع سلطات الدولة للقانون والتزام حدوده في كافة أعمالها وتصرفاتها، لن ينتج أثره إلا بقيام مبدأ آخر يكمله ويعتبر ضرورياً مثله، لأن الإخلال به يودي بمبدأ المشروعية ويسلمه إلى العدم، ذلك هو مبدأ الرقابة على دستورية القوانين من جهة، وعلى مشروعية القرارات الإدارية من جهة أخرى، لأن هذه الرقابة القضائية هي المظهر العملي الفعال لحماية الشرعية، فهي التي تكفل تقييد السلطات العامة بقواعد القانون، كما تكفل رد هذه السلطات إلى حدود المشروعية إن هي تجاوزت تلك الحدود, وغني عن البيان أن أي تضييق في تلك الرقابة ولو اقتصر التطبيق على دعوى الإلغاء، سوف يؤدي حتماً إلى الحد من مبدأ المشروعية وسيادة القانون، ولذا يتعين أن تقف سلطة المشرع إزاء حق التقاضي عند حد التنظيم فلا تجاوزه إلى الحظر أو الإهدار(69).
وتؤكد المحكمة الدستورية العليا أن سيادة القانون يعني سيادة القانون بالمعنى الواسع والموضوعي للقواعد القانونية وفي الصدارة منه القواعد الدستورية فتقول في أحد أحكامها: وحيث أن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفي عليه صفة السيادة والسمو بحسبانه كفيل الحريات وموئلها وعماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، حق لقواعده أن تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعاتها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، ودون أي تفرقة أو تمييز- في مجال الالتزام بها- بين السلطات العامة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، ذلك أن هذه السلطات كلهاسلطات مؤسسة أنشأها الدستور، تستمد منه وجودها وكيانها، وهو المرجع في تحديد وظائفها، ومن ثم تعتبر جميعها أمام الدستور على درجة سواء؛ وتقف كل منها مع الأخرى على قدم المساواة، قائمة بوظيفتها الدستورية متعاونة فيما بينها في الحدود المقررة لذلك، خاضعة لأحكام الدستور الذي له وحده الكلمة العليا وعند أحكامه تنزل السلطات العامة جميعها؛ والدولة في ذلك إنما تلتزم أصلاً من أصول الحكم الديمقراطي، هو الخضوع لمبدأ سيادة الدستور القائم على تقريره بالنص في المادة 64 منه على أن "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة" وفي المادة 65 منه على أن تخضع الدولة للقانون". ولا ريب في أن المقصود بالقانون في هذا الشأن هو القانون بمعناه الموضوعي الأعم الذي يشمل كل قاعدة عامة مجردة أياً كان مصدرها، ويأتي على رأسها وفي الصدارة منها الدستور بوصفه أعلى القوانين وأسماها، وإذا كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلاً مقرراً وحكماً لازماً لكل نظام ديمقراطي سليم، فإنه يكون لزاماً على كل سلطة عامة أياً كان شأنها وأياً كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، النزول عند قواعد الدستور ومبادئه والتزام حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها، شاب عملها عيب مخالفة الدستور وخضع- متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة- للرقابة القضائية التي عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا بوصفها الهيئة القضائية العليا، التي اختصها دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها(70).
وحددت المحكمة الدستورية العليا في أحكامها الأسس التي يقوم عليها مبدأ سيادة الدستور باعتباره أسمى القوانين في أحكامها المتعاقبة فيما يلي:
سيادة الدستور- بمعنى تصدره القواعد القانونية جميعها- ليس مناطها عناصر مادية قوامها مضمون الأحكام التي احتواها، والتي تنظم بوجه خاص تبادل السلطة وتوزيعها والرقابة عليها، بما في ذلك العلائق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكيفية مباشرتهما لوظائفهما، ونطاق الحقوق التي يمارسها المواطنون، وكذلك الحريات التي يتمتعون بها، ذلك أن الدستور- محدداً بالمعنى السابق على ضوء القواعد التي انتظمها- هو الدستور منظوراً إليه من زاوية مادية بحتة وهي زاوية لا شأن لها بعلو القواعد الدستورية وإخضاع غيرها من القواعد القانونية لمقتضاها. وإنما تكون للدستور السيادة، حيث تهيمن قواعده على التنظيم القانوني في الدولة لتحتل ذراه. ولا يكون ذلك إلا إذا نظرنا إليه من زاوية شكلية لا تتقيد بمضمون القواعد التي فصلها، وإنما يكون الاعتبار الأول فيها عائداً أولاً: إلى تدوينها، وثانياً: إلى صدورها عن الجهة التي أنعقد لها زمام تأسيسها والتي تعلو- بحكم موقعها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية- عليهما معاً، إذ هما من خلقها وينبثقان بالتالي عنها، ويلتزمان دوماً بالقيود التي فرضتها وبمراعاة القواعد التي صاغتها تلك الجهة- وأفرغتها في الوثيقة الدستورية- لا يجوز تعديلها أو إلغائها إلا وفق الأشكال والأنماط الإجرائية التي حددتها، بشرط أن تكون في مجموعها أكثر تعقيداً من تلك التي تنزل عليها السلطة التشريعية إذاً عن لها تعديل أو إلغاء القوانين التي أقرتها، ودون ذلك تفقد الوثيقة الدستورية أولويتها التي تمنحها على الإطلاق الموقع الأسمى والتي لا تنفصم الشرعية الدستورية عنها في مختلف تطبيقاتها، باعتبار أن التدرج في القواعد القانونية يعكس لزوماً ترتيباً تصاعدياً فيما بين الهيئات التي أقرتها أو أصدرتها(71).

المطلب الثاني
مبدأ الفصل بين السلطات
لكي يمكن القول بأن هناك دولة قانونية، فإنه يتعين أن تتوافر مبادئ معينة منها مبدأ الفصل بين السلطات، ويعني توزيع وظائف الدولة الثلاث على ثلاث سلطات: السلطة التشريعية وتختص بإصدار التشريعات والقوانين، والسلطة التنفيذية وتختص بتنفيذ القوانين والسلطة القضائية وتختص بتطبيق القوانين على ما يعرض عليها من منازعات. إذن فوفقاً لمبدأ الفصل بين السلطات يكون لكل سلطة اختصاص معين لا يجوز لها الخروج عليه وإلا اعتدت على اختصاصات السلطات الأخرى(72). مع ملاحظة أن هذا الفصل ليس فصلاً مطلقاً فهناك علاقة تعاون بين السلطات الثلاث بل أن المتابع للدستور المصري يستطيع أن يلحظ أنه في بعض الحالات تقوم إحدى السلطات بوظيفة سلطة أخرى، وهذه الحالات محددة على سبيل الحصر والاستثناء، فيجوز لمجلس الشعب مثلاً وفقاً للمادة 93 من الدستور أن يفصل في صحة نيابة أعضائه، رغم الطبيعة القضائية لهذا الفصل؛ كما أجاز الدستور للسلطة التنفيذية إصدار اللوائح التنظيمية والتنفيذية وهي أعمال تشريعية بطبيعتها.
غير أن التعاون بين السلطات يجب مع ذلك ألا يؤدى إلى هيمنة بعضها على البعض الآخر، بحيث يهدد استقلالها وتميزها، وإن الوسيلة الفنية للحيلولة دون ذلك هي تنظيم مظاهر هذا التعاون على نحو متوازن يمنع تضخم وتركز السلطة في يد البعض على حساب البعض الآخر، ومن هنا نشأ المبدأ المكمل للفصل بين السلطات وهو ما يعرف في الفقه الأمريكي بمبدأ التوازن وتبادل المراقبة(73).
وقد تعرضت المحكمة الدستورية العليا لهذا المبدأ في ضوء علاقة كل سلطتين معاً من خلال أحكامها المتعددة ففي حكمها في الدعوى رقم 31 لسنة 10 ق.د بجلسة يوم السبت 7 ديسمبر 1991 قالت في حدود الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية:

التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
AlexaLaw
مؤسس و مدير عام المنتدى

مؤسس و مدير عام المنتدى

الجنس: ذكر

تاريخ التسجيل: 03/03/2010

عدد المساهمات: 17167

نقاط: 12646430

%إحترامك للقوانين 100

العمر: 25

الأوسمه:




الأوسمة
 :


مُساهمةموضوع: رد: دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان   السبت أكتوبر 08, 2011 8:13 pm

خيارات المساهمة


وقد تعرضت المحكمة الدستورية العليا لهذا المبدأ في ضوء علاقة كل سلطتين معاً من خلال أحكامها المتعددة ففي حكمها في الدعوى رقم 31 لسنة 10 ق.د بجلسة يوم السبت 7 ديسمبر 1991 قالت في حدود الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية:

وإذا كان الدستور قد حدد لكل سلطة عامة وظائفها الأصلية وما تباشره من أعمال أخرى لا تدخل في نطاقها، بل تعد استثناء يرد على أصل انحصار نشاطها في المجال الذي يتفق مع طبيعة وظائفها، وكان الدستور قد حصر هذه الأعمال الاستثنائية وبين بصورة تفصيلية قواعد ممارستها، تعين على كل سلطة في مباشرتها أن تلتزم حدودها الضيقة وأن تردها إلى ضوابطها الدقيقة التي عينها الدستور، وإلا وقع عملها مخالفاً لأحكامه، وحيث أن سن القوانين هي مما تختص به السلطة التشريعية تباشره وفقاً للدستور في إطار وظيفتها الأصلية، وكان الأصل أن تتولى السلطة التشريعية بنفسها مباشرة هذه الوظيفة غير أن الدساتير المصرية المتعاقبة ومن بينها الدستور الحالي قد منح هذه الوظيفة للسلطة التنفيذية على سبيل الاستثناء ولظروف حددها حصراً موازناً بما يقتضيه الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من تولي كل منها لوظائفها الأصلية في المجال المحدد لها أصلاً؛ ولما كان من وظائف السلطة التنفيذية المحددة: ضرورة المحافظة على كيان الدولة وإقرار النظام في ربوعها إزاء ما قد تواجهه- فيما بين أدوار انعقاد السلطة التشريعية أو حال غيابها- من مخاطر تلوح نذرها أو تشخص الأضرار التي تواكبها، يستوي في ذلك أن تكون هذه المخاطر من طبيعة مادية أو أن يكون قيامها مستنداً إلى ضرورة تدخل الدولة بتنظيم تشريعي يكون لازماً لمواجهة التزاماتها الدولية التي حل ميعاد الوفاء بها قبل انعقاد أدوار السلطة التشريعية، ولقد كان النهج الذي التزمته هذه الدساتير على اختلافها- وعلى ضوء موجبات هذه الموازنة- هو تخويلها السلطة التنفيذية الاختصاص باتخاذ التدابير العاجلة اللازمة لمواجهة أوضاع استثنائية سواء بالنظر إلى طبيعتها أو مداها، وتلك الضرورة التي اعتبر الدستور قيامها من الشرائط التي تطلبها لمزاولة هذا الاختصاص الاستثنائي ذلك أن الاختصاص المخول للسلطة التنفيذية في هذا النطاق لا يعدو أن يكون استثناء من أصل قيام السلطة التشريعية على مهمتها الأصلية في المجال التشريعي.
وتقول المحكمة في الدعوى رقم 5 لسنة 15 ق.د بجلسة يوم السبت 20/5/1995 في ذات الصدد:
وحيث أن الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، يقرر الحريات والحقوق العامة، ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ويحدد لكل من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وظائفها وصلاحيتها، ويضح الحدود والقيود الضابطة لنشاطها بما يحول دون تدخل أي منها في أعمال السلطة الأخرى، أو مزاحمتها في ممارسة اختصاصاتها التي ناطها الدستور بها.
وحيث أن الدستور اختص السلطة التشريعية بسن القوانين وفقاً لأحكامهـ فنص في المادة 86 منه على أن: "يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع، ويقر السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، كما يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وذلك كله على الوجه المبين في الدستور". ونصت المادة 66 على أن "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون" وهو ما لا يعدو أن يكون توكيداً لما جرى عليه العمل من قيام المشرع بإسناد الاختصاص إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بها بعض جوانب التجريم والعقاب، وذلك في الحدود التي بينها القانون ولاعتبارات يقتضيها الصالح العام، وإذ يعهد المشرع إلى السلطة التنفيذية بهذا الاختصاص، فإن عملها لا يعتبر من قبيل اللوائح التنفيذية التي نظمتها المادة 144 منه، وإنما يقوم هذا الاختصاص على تفويض بالتشريع استناداً لنص المادة 66 من الدستور لتحديد بعض جوانب التجريم والعقاب.
ومن جهة أخرى فقد عهد الدستور إلى السلطة القضائية بالفصل في المنازعات والخصومات على النحو المبين في الدستور، فنص في المادة 165 على أن "السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون".
وقالت المحكمة في صدد الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية(74):
وحيث أن اختصاص السلطة التشريعية بسن القوانين لا يخولها التدخل في أعمال أسندها الدستور إلى السلطة القضائية وقصرها عليها، وإلا كان هذا افتئاتاً على عملها وإخلالاً بمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية.
كما تقول(75):
الأصل هو أن تتحقق المحكمة بنفسها وعلى ضوء تقديرها للأدلة التي تطرح عليها من علم المتهم بحقيقة الأمر في شأن كل واقعة تقوم عليها الجريمة وأن يكون هذا العلم يقينياً لا ظنياً ولا افتراضياً، وكان الاختصاص المقرر دستورياً للسلطة التشريعية في مجال إنشاء الجرائم وتقرير عقوباتها لا يخولها التدخل بالقرائن التي تنشئها لغل يد المحكمة عن القيام بمهمتها الأصيلة في مجال التحقق من قيام أركان الجريمة التي عينها المشرع إجمالاً لمبدأ الفصل بين السلطتين التشريعية والقضائية.
وتؤكد ما ذهبت إليها في حكم ثالث بقولها(76):
فاختصاص السلطة التشريعية في مجال إنشاء الجرائم وتحديد عقوباتها لا يخولها التدخل في المجال الجنائي لفرض قرائن قانونية تنفصل عن واقعها، ولا تربطها علاقة منطقية بالنتائج التي رتبتها عليها، إذا لا يعدو ذلك منها أن يكون إحلالاً لإرادتها محل السلطة القضائية، لتنحيتها عن وظائفها الأصلية في تحقيق الدعوى الجنائية وتقدير أدلتها في شأن جريمة بذاتها يدعي ارتكابها؛ ولا يتصور إسنادها لفاعلها إلا بعد توافر ركنيها بالشروط التي تطلبها المشرع فيهما.
كما تعرضت المحكمة كذلك لمبدأ الفصل بين السلطات في الواقع العملي فيما بين السلطتين التنفيذية والقضائية فقالت (77):
وحيث أن تنظيم العدالة وإدارتها إدارة فعالة مسألة وثيقة الصلة بالحرية وصون الحقوق على اختلافها، وكان الدستور قد كفل للسلطة القضائية استقلالها وجعل هذا الاستقلال عاصماً من التدخل في أعمالها أو التأثير في مجرياتها باعتبار أن القرار النهائي في شأن حقوق الأفراد وواجباتهم وحرياتهم هو بيد أعضائها، وكان هذا الاستقلال يقوم في مضمونه على أن تفصل للسلطة القضائية فيما يعرض عليها من أقضية في موضوعية كاملة، وعلى ضوء الوقائع المطروحة عليها، وفقاً للقواعد القانونية المعمول بها، ودونما قيود تفرضها عليها أي جهة أو تدخل من جانبها في شئون العدالة بما يؤثر في متطلباتها لتكون لقضاتها الكلمة النهائية في كل مسألة من طبيعة قضائية، ولتصدر أحكامها وفقاً لقواعد إجرائية تكون منصفة في ذاتها وبما يكفل الحماية الكاملة لحقوق المتقاضين. وحيث أن دور وزير العدل سواء في نطاق طلبه رفع الدعوى التأديبية أو ندب من يقوم بإجراء التحقيق السابق عليها لا يجرد الدعوى التأديبية من ضماناتها الأساسية، ولا يجعل السير فيها أو متابعة إجراءاتها أو الفصل فيها لجهة إدارية، بل الشأن لازال معقوداً لمجلس التأديب الذي أقامه المشرع من عناصر قضائية تتصدر في التنظيم القضائي درجاته العليا، وإليه تؤول مسئولية تقدير التهمة ووزن أدلتها بمقاييس موضوعية، وهو لا يتقيد في أي حال بما يسفر عنه التحقيق الأولي جنائياً كان التحقيق أم إدارياً؛ إذ خوله المشرع حق إطراحه وإجراء تحقيق جديد يتحدد على ضوئه مسار الدعوى التأديبية ووجهتها النهائية، كذلك يستقل هذا المجلس بتحديد إطار الدعوى التأديبية ووجهتها النهائية، كذلك وإجراء تحقيق جديد يتحدد على ضوئه مسار الدعوى التأديبية أو نطاقها حين يقرر إسقاط بعض عناصر الاتهام التي تضمنتها عريضتها وهو ليس ملزماً بالسير في الدعوى التأديبية ما لم يروجهاً للاستمرار في إجراءاتها. واستظهار الحقيقة في شأن الاتهام، والفصل فيه مرده إليه، فهو الذي يستدعي الشهود ويرجح ما يطمئن إليه من أقوالهم ويوازنها بدفاع العضو المرفوعة عليه الدعوى وبطلبات النيابة العامة، ولا يحكم في غيبته إلا بعد التحقق من صحة إعلانه ولا يصدر حكماً في الدعوى التأديبية ما لم يكن مشتملاً على أسبابه التي بنى عليها، بما مؤداه أن الدعوى التأديبية زمامها بيده، وإليه مرجعها بدءاً بإجراءاتها الأولى وإلى نهاية مطافها ولا يجاوز دور وزير العدل في شأنها مجرد طلب رفعها على ضوء الأدلة التي تتوافر لديه، أما رفعها ومباشرتها فموكولان إلى النائب العام بصفته، كذلك فإن من يندبه وزير العدل لإجراء التحقيق يظل دوماً من رجال السلطة القضائية، ومآل الأمر فيما أجراه إلى مجلس التأديب الذي أقامه القرار بقانون المطعون عليه على شئون الدعوى التأديبية، ولم يجز لأي سلطة التدخل في مجرياتها أو إعاقتها على أي نحو، أو توجيهها وجهة دون أخرى، أو إقحام أدلة عليها أو مراجعة القضاء الصادر عن هذا المجلس سواء كان بإدانة العضو المرفوعة عليه الدعوى عن التهمة الموجهة إليه أم كان تبرئته منها.
وانتهت المحكمة في هذا الصدد إلى أن دور وزير العدل في طلب رفع الدعوى التأديبية ضد أحد رجال القضاء لا يخل باستقلال السلطة القضائية حتى رغم أن الوزير يعتبر ممثلاً للسلطة التنفيذية.

المطلب الثالث
مبدأ استقلال السلطة القضائية

حرصت الدساتير المصرية المتعاقبة على أن تتضمن نصوصاً خاصة بالسلطة القضائية ذلك أن استقلال القضاء وحيدته أمر لابد منه لأي نظام يستند إلى الشرعية، ومطلباً أساسياً للحفاظ على مظاهر الدولة القانونية النازعة في طموحها إلى الديمقراطية، وهو كذلك الضمانة الرئيسية لحماية الحقوق والحريات من عدوان السلطات العامة عليها.
وهو الأمر الذي قرره الدستور الدائم، فنص في المادة 165 منه على أن: "السلطة القضائية سلطة مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون"، ومن ثم فالسلطة القضائية تستمد وجودها وولايتها من الدستور وتقف في هذا الشان مع السلطتين التشريعية والتنفيذية على قدم المساواة، فلا تملك إحداهما المساس بتلك الولاية.
وفي هذا الشأن تقول المحكمة العليا(78): (إن السلطة القضائية هي سلطة أصيلة تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتستمد وجودها وكيانها من الدستور ذاته لا من التشريع ، وقد ناط بها الدستور وحدها أمر العدالة مستقلة عن باقي السلطات، ولازم ذلك أن المشرع لا يملك بتشريع منه إهدار ولاية تلك السلطة كلياً أو جزئياً).
كما نص الدستور في المادة 166 منه على أن: "القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم: في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضايا أو في شئون العدالة". كما تنص المادة 167 منه على أن: "يحدد القانون الهيئات القضائية واختصاصاتها وينظم طريقة تشكيلها ويبين شروط وإجراءات تعيين أعضائها ونقلهم". وتقرر المادة 168 منه ضمانة هامة لاستقلال السلطة القضائية بنصها على أن: "القضاة غير قابلين للعزل، وينظم القانون مساءلتهم تأديبياً".
إذن فالوضع الطبيعي للقضاء هو أن يكون سلطة توازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة، وبين هاتين السلطتين والمواطنون من جهة ثانية.. فليست مهمة القضاء مقصورة على نوع واحد من الحماية هو حماية الشعب، وإنما مهمته حماية النظام القانوني بأسره ممثلاً لقيم الشعب ومفاهيمه. إنه هو الملاذ القانوني الوحيد لحماية الحريات، كما انه الحارس للشرعية وللنظام القانوني(79). وقد تبنت الحكمة الدستورية العليا هذا المبدأ في كثر من أحكامها برده إلى أصله وجوهره، والدفاع عنه من طغيان السلطتين التشريعية والتنفيذية وإهدارهما له، ويقول د/فاروق عبد البر في هذا الصدد (80): "على الرغم مما ينص عليه الدستور من استقلال السلطة القضائية واستقلال أعضائها، وأن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، إلا أن هذا الاستقلال اهتز لأسباب عديدة من أهمها: انعدام التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لصالح السلطة الأولى مما أدى إلى محاصرة السلطة القضائية. وظهر اهتزاز استقلال القضاء في عدة صور تتمثل في رئاسة رئيس الجمهورية ومن بعده وزير العدل للمجلس الأعلى للهيئات القضائية، وفي سلب ولاية القاضي الطبيعي في نظر كثير من المنازعات لتسليمها إلى محكمة القيم ومحاكم أمن الدولة والمحاكم العسكرية ومحكمة الأحزاب والمحكمة الخاصة بمحاكمة رئيس الجمهورية والوزراء ونوابهم. وفي الامتناع عن تنفيذ أحكام السلطة القضائية، وفي انتزاع سلطة القاضي الطبيعي في الفصل في الدعوى والامتهان لكرامته باللجوء إلى طلبات التفسير. وفي التقتير المالي على السلطة القضائية. وفي إقحام القضاء في مهام تقلل من الثقة منه، وفي الترهيب والترغيب اللذين يمارسان على السلطة القضائية وأعضائها بهمة ونشاط ودون كسل أو ملل".
ولذلك نجد اهتماماً كبيراً من المحكمة الدستورية بهذا المبدأ فتقول في أحد أحكامها(81):
وكان مما ينافي قوة الحقيقة القانونية التي تكشفها الأحكام القضائية وتعبر عنها، أن يخول المشرع جهة ما، أن تعدل من جانبها الآثار القانونية التي رتبها الحكم القضائي، ما لم تكن هذه الجهة قضائية بالنظر إلى خصائص تكوينها، وكان موقعها من التنظيم القضائي، يخولها قانوناً مراقبة هذا الحكم تصويباً لأخطائه الواقعية أو القانونية أو كليهما معاً، فإذا لم تكن الجهة كذلك، فإن تعديل منطوق الحكم أو الخروج عليه، يعد عدواناً على ولاية واستقلال القضاء، وتعطيلاً لدوره في مجال صون الحقوق والحريات على اختلافها بالمخالفة للمادتين 65، 165 من الدستور.
يؤيد ذلك أن هذا الاستقلال- في جوهر معناه وأبعاد آثاره- ليس مجرد عاصم من جموح السلطة التنفيذية يكفها عن التدخل في شئون العدالة، ويمنعها من التأثير فيها إضراراً بقواعد إدارتها، بل هو فوق ذلك، مدخل لسيادة القانون، بما يصون للشرعية بنيانها، ويرسم تخومها، تلك السيادة التي كفلها الدستور بنص المادة 64، وقرنها بمبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص عليه في المادة 65، ليكونا معاً قاعدة للحكم فيها، وضابطاً لتصرفاتها.
وحيث أن الدستور عزز كذلك سيادة القانون بنص المادة 72 التي صاغها بوصفها ضماناً جوهرياً لتنفيذ الأحكام القضائية من قبل الموظفين المختصين، واعتبر امتناعهم عن إعمال مقتضاها، أو تعطيل تنفيذها جريمة معاقب عليها قانوناً، وما ذلك إلا توكيداً من الدستور لقوة الحقيقة الراجحة التي يقوم عليها الحكم القضائي، وهي بعد حقيقة قانونية لا تجوز المماراة فيها.
كما واصلت المحكمة الدستورية العليا تنظيرها لمعايير استقلال السلطة القضائية وبيان أوجهها وحدودها بقولها(82):
ينعي المدعي على المادة 108 من القرار بقانون رقم 47 لسنة 1972 المطعون عليها تحديدها العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها على القضاة باللوم والعزل وذلك بالمخالفة لنص المادة 169 من الدستور التي تنص على أن القضاة غير قابلين للعزل، وينظم القانون مساءلتهم تأديبياً، وهذا النعي مردود بأن عدم قابلية القضاة للعزل حصانة قررها الدستور والمشرع كلاهما لحماية الوظيفية القضائية، ونأياً بمن يضطلعون بها وبأعمالها وبأعبائها عن أن تضل العدالة طريقها إلى أحكامهم،أو أن تهن عزائمهم في الدفاع عن الحق والحرية والأعراض والأموال إذا جاز لأية جهة أياً كان موقعها أن تفرض ضغوطاً عليهم أو أن تتدخل في استقلالية قراراتهم أو أن يكون تسلطها عليهم بالوعد أو الوعيد حائلاً دون قيامهم بالأمانة والمسئولية على رسالتهم سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر.
ولا شبهة في أن هذه الحصانة- وتلك غايتها- لا يجوز أن تكون موطئاً لحماية أعضاء السلطة القضائية- من المسئولية عن عثراتهم التي تخل بشروط توليهم القضاء وقيامهم على رسالته، ولا أن تكون عاصماً من محاسبتهم عما يصدر عنهم من أعمال تؤثر في هيبة السلطة القضائية وعلى منزلتها أو تنتقص من ثقة المتقاضين في القائمين على شئونها، وإنما يتعين أن تظل الحصانة مرتبطة بمقاصدها ممثلة في تأمين العمل القضائي من محاولة التأثير فيه ضماناً لسلامته، ذلك أن الدستور فرضها كضمانة لاستقلال السلطة القضائية في مواجهة السلطتين الأخريين بوجه خاص- تكفل حريتها في العمل وتصون كرامة أعضائها وهي تلازمهم دوماً طالما ظل سلوكهم موافقاً لواجباتهم الوظيفية، مستجيباً لمتطلباتها، معتصماً بالاستقامة والبعد عما يشينها، وإلا حقت مساءلتهم تأديبياً وتنحيتهم عن الاستمرار في عملهم إذا هم تنكبوا سبيله القويم، وفقدوا بالتالي شروط توليهم أعباء الوظيفة القضائية وتحملهم لتبعاتها، إذا كان ذلك، فإن التعارض المقول به بين الحصانة المانعة من العزل التي نص عليها الدستور وجواز مساءلة أعضاء السلطة القضائية تأديبياً وتوقيع جزاء عن مخالفتهم المسلكية قد يصل إلى العزل- يكون منتفياً، الأمر الذي يضحي معه هذا الوجه من النعي على غير أساس حرياً بالرفض.
وفي حكم آخر (83) تقول المحكمة الدستورية العليا:
وحيث أن استقلال السلطة القضائية مؤداه أن يكون تقدير كل قاض لوقائع النزاع، وفهمه لحكم القانون بشأنها، متحرراً من كل قيد، أو تأثير، أو إغواء، أو وعيد، أو تدخل، أو ضغوط أياً كان نوعها أو مداها أو مصدرها أو سببها أو صورتها، ما يكون منها مباشراً أو غير مباشر،وكان مما يعزز هذه الضمانة ويؤكدها، استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأن تنبسط ولايتها على كل مسألة من طبيعة قضائية، وأن يكون استقلال أعضائها كاملاً قبل بعضهم البعض، فلا تتأثر أحكامها بموقعهم من رؤسائهم وأقرانهم على ضوء تدرجهم وظيفياً فيما بينهم، ويتعين على السلطة التنفيذية بوجه خاص ألا تقوم من جانبها بفعل أو امتناع يجهض قراراً قضائياً قبل صدوره، أو يحول بعد نفاذه دون تنفيذه تنفيذاً كاملاً، وليس لعمل تشريعي أن ينقض قراراً قضائياً، ولا أن يحور الآثار التي رتبها، ولا أن يعدل من تشكيل هيئة قضائية ليؤثر في أحكامها، بل إنه مما يدعم هذا الاستقلال، أن يكون للقضاة حق الدفاع عن محتواه بصورة جماعية، من خلال الآراء التي يعلنونها، وفي إطار حق الاجتماع.

منقووول للفائدة .
AlexaLaw

التوقيع
توقيع العضو : AlexaLaw




للتواصل : El3alamy



إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.AlexaLaw.com
 

دور المحكمة الدستورية العليا فـــي حماية حقوق الإنسان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

      هام جداً: قوانين المساهمة في المواضيع. انقر هنا للمعاينة     
odessarab الكلمات الدلالية
odessarab رابط الموضوع
AlexaLaw bbcode BBCode
odessarab HTML HTML كود الموضوع
صلاحيات هذا المنتدى:

لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عالم القانون ::  ::  ::  :: -
انتقل الى:  
الإسلامي العام | عالم القانون | عالم الكتاب و الثقافة العامه | التجاره و المال و الأعمال | البرامج و تكنولوجيا المعلومات | تطوير المواقع و المدونات | الترفيهي و الإداري العام
free counters
PageRank Checking Icon

Powered by AlexaLaw.com ® Phpbb Version 2
Copyright © 2010
.:: جميع الحقوق محفوظه لمنتدى عالم القانون © ::.

.::جميع ما ينشر في المنتدى لا يعبر بالضرورة عن رأي القائمين عليه و إنما يعبر عن وجهة نظر كاتبه في حدود الديمقراطيه و حرية الرأي في التعبير ::.